#dfp #adsense

متسلّط خبيث حتى النفس الأخير

حجم الخط

"ما من شيء يجعل الأوضاع لا تطاق أكثر من المعرفة بأننا لا نستطيع تغيير تلك الأوضاع مهما بذلنا من جهود"
(فون هايك)

جبال الصوان
في مسرحية "جبال الصوان" التي أهداها لنا الرحابنة سنة 1969، عادت "غربة" ابنة بطل القرية الذي قتله "فاتك المتسلّط" لتقود الثورة معلنة انتهاء فترة الحداد وعودة الأفراح والأعياد والأمل لأن الخوف والحزن واليأس هي أسلحة المتسلّط في قمع الناس وثنيهم عن مجرد الحلم بالحرية وبالتالي السعي إليها.

في النهاية انتصرت الحرية بعد أن كسر أهالي "جبال الصوان" حواجز اليأس والخوف وقتلت "غربة" في المواجهة، لكن فاتك المتسلّط الذي بقي يصول ويجول الى آخر ربع ساعة، هرب من وجه الثائرين الى غير رجعة.

جدار برلين
في فترة الشباب كنت، كالكثيرين من جيلي، متأثراً بفكرة الحرية الجماعية، أو حرية الأمة، التي يضحي الفرد بحريته الشخصية فداء لها، وكان بعضنا من المؤمنين بهذا الوهم يحلم بأن يأتي يوم يتساوى الجميع فيه وتوزّع الثروات ويصبح الجميع لا فقراء ولا أغنياء، بل جميعهم شركاء في وطن حرّ وأمّة حرة ولم لا كوكب حر؟!

كل ذلك في ظل زعيم عبقري ملهم، وأفكار نصفها خرافي والنصف الآخر علمي مبني على خرافات، وفي ظل دولة تخطط وتدير مشاريع خمسية وعشرية وأبدية! والغريب أن أشخاصاً عظماء في إنسانيتهم وفكرهم كنا ندعوهم بالخونة والمرتدين أمثال ألكسندر سولجنستين وغيره.

التجربة التشيكوسلوفاكية
في يوم في أواخر سبعينات القرن الماضي، كان والدي "البرجوازي الصغير"، كما كنت أصفه، يملك متجراً متوسط الحجم في باب التبانة، سافر الى تشيكوسلوفاكيا، والتي اختفت عن الخريطة اليوم بعد أن أصبحت "تشيكيا" و"سلوفاكيا"، ليستورد بعض المنتات ليبيعها في لبنان.

لقد كانت يومها "تشيكوسلوفاكيا" جزءاً من المعسكر الشرقي الذي يقوده الاتحاد السوفياتي "العظيم"، وكان العالم في وسط الصراع الذي سمّي الحرب الباردة.
عاد والدي، رحمه الله، محبطاً من المشاهدات وقال: "رأيت المئات من الفتيات الجامعيات الفائقات الجمال، وهن بالمناسبة عضوات في الحزب، يقبلن قضاء ليلة مع أي كان مقابل "بنطلون جينز" أو "كروز دخان أميركي" أو "زجاجة ويسكي"! رأيت مدراء مصانع من أعضاء قياديين في الحزب مستعدين لبيع كل شيء مقابل البضاعة ذاتها التي طلبتها الفتيات! ورأيت الآلاف من السكارى الهائمين من عمال وموظفين وأطباء ومهندسين يشربون أطناناً من الفودكا أو البيرة المحلية حتى يتمكنوا من الحلم والأمل! ورأيت أيضاً أعداداً لا تحصى من عيون السلطة التي تحصي أنفاس الناس وتستعبدهم لمزيد من الخوف واليأس!".

ثم أردف لي قائلاً: "الحقيقة أيها "المناضل اليساري العظيم" هي أن هذا النظام لم يستمر حتى الآن إلا بسبب مخابراته، ولكنه سينهار قريباً بسبب مخابراته!".
أنا اليوم أخجل من ترداد ما قلته لوالدي وأقلّه بأنني نعتّه بالرأسمالي المتأثر بالفكر الغربي وبأنه مجرد "كومبرادور" (أي سمسمار) يمتصّ دماء الفقراء لمصلحة المستعمر…

المصيبة كانت هي أن البضاعة (دراجات نارية ماركة "جاوا") التي استوردها أصبحت بسرعة مذهلة خارج الخدمة لأن مسألة المتابعة بعد البيع، يعني تأمين التصليح وقطع الغيار، هي من "مخلّفات المجتمع الاستهلاكي الرأسمالي"، فباع والدي بعض البضاعة بسعر الكلفة أما الباقي فقد تولّت شبيحة الأسد سرقته بعد تجدّد المعارك في باب التبانة.

انهيار الجدار
لم تمض عشر سنوات إلا ورأينا جميعاً جدار برلين ينهار تحت صرخات الحرية وصيحات الأمل، وكنا نراهن حتى ربع الساعة الأخير على أن "الاتحاد السوفياتي العظيم" باق الى الأبد، يعني الى يوم تحقيق "الحلم المشاعي" حيث الكل سواسية والكل فرحان!

مخلفات الشمولية
لا شك في أن الإنقلابات العسكرية ومعها معظم الأحزاب التي كنّا نسمّيها أحزاباً وطنية أو تقدمية أو قومية، كانت دائماً تعتمد النموذج الشمولي مع نزعات إما اشتراكية أو ماركسية أو قومية، أو مزيج غريب عجيب من كله. وكانت تستلهم مساراتها وعقائدها وأنظمتها وحتى شعائرها من مزيج مضحك من الشيوعية مع القومية العنصرية الطوباوية مع الماسونية مع الأساطير. ولكنها كانت دائماً تسعى الى "تأطير" الأمة وأفرادها في خدمة السلطة.

ومن أجل تفريخ أجيال مطواعة وملتزمة حتى العظام لتصبح أداة للسلطة، فقد نظّم المتسلّطون أنشطة لجمع الأطفال في مقتبل العمر تحت شعار "الكشفية أو الطلائع أو الفتوة" لتوجيه مسار أفكارهم. وقد ينظمون الألعاب الرياضية والنوادي الشبابية الحزبية لعزل الشباب عن الإحتكاك بالآراء والأفكار الأخرى. كما أن مبدأ تمييز الحزبيين عن باقي الناس من خلال وصفهم بـ"أشرف الناس وأعز الناس وأشجع الناس" هو إحدى سمات المجتمع التسلطي، إضافة إلى التمييز من خلال التحية والشعارات وأشكال التخاطب. ولكن السمة الدائمة كانت ولا تزال في شبكة واسعة من الخلايا والعيون التي تشرف بشكل مستمر على الحياة الخاصة، حتى بتفاصيلها الحميمة، لرصد أي "شذوذ" عن قواعد الانتظام العام الذي تحدده السلطة.

المضحك المبكي في كل هذا هو أن السلطات تستخدم عادة كلمة "الحرية" على نطاق واسع، وبعضها يضعها كشعار أو تعويذة (وحدة ـ حرية اشتراكية لحزب البعث مثلاً) ولكن المقصود دائماً هو حرية "الجماهير" على حساب حرية الفرد، إن هذا النوع من الحرية الجمعية ما هو إلاّ غطاء لإطلاق حرية السلطة المطلقة للدوس على حقوق الأفراد.

قد يلاقي هذا النهج نوعاً من الحماسة وحتى التعصب من قبل الكثيرين في بداية الأمر، ولكن سرعان ما تتحول هذه الأكثرية إلى قلة قليلة من المنتفعين من السلطة، أما الباقون فيدخلون في واقع اليأس من التغيير والخوف حتى من الأمل بغدٍ أفضل وكلنا سمعنا من آبائنا تعابير "النحس الذي تعرفه أفضل من السعد الذي ستتعرف عليه!" و"اليد التي لا تقدر على عضها قبّلها وادعِ عليها بالكسر!" و"ما باليد حيلة!"، لذلك فاليأس يصبح كالمرض المزمن الذي يستفيد منه أصحاب السلطة لتأخير التغيير إلى الأبد إذا أمكن.

ولكن كل ذلك قابل للإنهيار في سرعة مذهلة لمجرد دخول أي ومضة أمل إلى قلّة من الناس الذين لا يلبثون أن ينقلوا عدوى إلى معظم الناس، والأمل هو المقدمة اللازمة لـ"هروب المتسلّط".
تقول هانا ارنت إن "الواقع عن النظام الديكتاتوري هو أن الأمور تبدو تحت السيطرة إلى ربع الساعة الأخير".

ولو راجعنا محصلة الماضي القريب فقد كان الأمل مستحيلاً في البداية، واليوم الأمل أمر واقع وإن كانت الظروف صعبة، ولكن سرعان ما ينهار الجدار ويهرب "فاتك المتسلّط" دون سابق إنذار، حتى ولو بدا خبيثاً حتى النفس الأخير.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل