كتب إيلي الحاج في "النهار":
لن تكون مجرد معركة انتخابية فرعية في الكورة لملء مقعد شغر بوفاة النائب "القواتي" فريد حبيب، فهي في خلفيتها قد تحدد انطلاقا من أميون لمن الزعامة على مسيحيي الشمال إذا انتهت الى فوز كبير لأحد المتنافسين.
تساقطت سريعاً التكهنات والتمنيات بتجنب مواجهة وإن بأصوات الصناديق في القضاء الأخضر، فما إن أعلن الدكتور سمير جعجع أن حزب "القوات اللبنانية" يرشح نقيب اطباء الاسنان السابق في الشمال فادي كرم حتى انقطعت دورب التزكية لتكملة ولاية النائب الراحل حبيب من خلال أرملته أو نجله. أعاد جعجع القرار الى قاعدة الحزب تطبيقاً لشرعة "القوات" التي أقرتها المؤسسة الحزبية قبل أشهر.
أما الحزب السوري القومي الاجتماعي الذي تصدّر المواجهة فرأى في ترشيح كرم ابن اميون تحدياً صرفاً: "أميون معقلنا وحصننا. كنا لنتساهل ونمررها بالتزكية لو اختار جعجع أرملة حبيب. نحن نحترم التقاليد والأعراف التي تقول بإبقاء المقعد في بيت النائب الراحل. أما بعد نقل المعركة الى عقر دارنا فأصبحت مفروضة علينا"، يقول لـ"النهار" عميد الاذاعة في الحزب القومي حسان صقر، ابن كفرحاتا الذي قدم الى قيادة حزبه ترشحه هو ايضا مع رفيقيه، المتموّل في نيجيريا غسان رزق والدكتور وليد العازار، وكلاهما من أميون. ومع إبلاغ رزق قيادة حزبه أمس انه لم يعد راغباً في الترشح، مال القومي بقوة ناحية ترشيح طبيب الصحة العازار لاعتبارات ابرزها انه من اميون أرض المعركة.
ولا ينفي الكلام القومي ان احترام التقاليد والاعراف ليس تقليداً ولا عرفاً في الحزب بدليل تأييده مرشح حليفه "التيار العوني" في المتن في وجه الرئيس امين الجميل بعد اغتيال نجله الوزير الشهيد بيار عام 2006، وعدم وقوفه مع النائب الحالي غسان مخيبر بل السيدة ميرنا المر في الفرعية التي تلت وفاة النائب الراحل ألبر مخيبر عام 2002. كما ان الحديث عن احترام سمير جعجع للديموقراطية في حزبه وتجاوزه الذهنية العائلية يستفز القوميين. “لماذا لم يتجاوزها في بشري خلال دورتين انتخابيتين؟". يستفزهم بيولوجياً ايضاً لانه وارث خصمهم التاريخي حزب الكتائب في الشمال خصوصاً. ولا يفوتهم ان المعركة ذات دلالات كبيرة حالت دون استجابتهم تمنيات بعدم خوضها، لعل ابرزها من رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي نصح لوزير الدفاع فايز غصن، بحسب معلومات "النهار"، بعدم السير في منازلة انتخابية ستكون خسارتها قاسية على كل تحالف 8 آذار. بري حرص على ان يصل رأيه الى رئيس "تيار المردة" النائب سليمان فرنجية مرفقاً بدعوة الى الاستعداد لخوض انتخابات 2013 بمعنويات عالية بدل التلهي بمعركة الكورة الهامشية. و"في كل الاحوال، نصيحتي لك معالي الوزير (غصن) ان تنأى بنفسك وعذرك معك فأنت وزير الدفاع". وهكذا كان. لم يترشح الوزير.
يعترف قوميون في الكورة بأن حظوظهم في المعركة الفرعية لكانت أفضل لو ترشح لها نائبهم السابق سليم سعادة، نجل رئيس الحزب الراحل عبدالله سعادة، الذي يجتذب اسمه تلقائياً نحو 2000 صوت اضافي بحسب خبراء انتخابيين في المنطقة. عندما قرأ نائب رئيس مجلس النواب فريد مكاري كلمة سعادة التي أعلن فيها عزوفه عن الترشح خلال مناسبة في مطعم بكفرحزير، علّق قائلاً إن "معركة الكورة 2013 انتهت"، وعندما علم مكاري بانسحاب غسان رزق من الحلبة وتوجه الحزب الى ترشيح عازار قال: "خير".
ويشدد القوميون على التزامهم في الحزب، فيقول المرشحان العازار وصقر انهما ينتظران قرار القيادة وان "اختيار المجلس الاعلى يخضع لدرس ظروف المعركة ورتبة المرشح، ولا احد منا يقول انا او لا احد. نحن انضباطيون". ليبلغ صقر "النهار" لاحقاً ان اعلان اسم المرشح القومي أرجئ الى اليوم بسبب موقف رزق الذي ولّد شيئاً من الارباك، وان الارجحية هي لرفيقه الدكتور عازار.
الديموقراطية قائمة في المجلس الاعلى للحزب القومي اذاً. علماً ان رزق الذي بدا لسائليه متردداً في خوض المعركة منذ وفاة النائب الراحل حبيب، كان قد حضر لطبع صوره والملصقات واللافتات وتعاقد مع احد المطاعم لتوفير مآدب خلال الحملة الانتخابية على ما يؤكد متابعون للتحضيرات من كثب. لا شك ان امراً ما طرأ جعله يغيب نهائياً عن السمع قبل ان يشيع خبر سحب الترشيح الذي قدمه الى قيادة حزبه. يضيف المتابعون ان رزق كان قد كلّف شركتي دراسات واحصاءات اجراء مسح لتوجهات ابناء المنطقة ليخوض الانتخابات على اساسه، والنتائج لم تكن مشجعة.
وتورد المعلومات أنه كان المفترض من النائب حردان أن يبلغ قيادات 8 آذار الحليفة أول من أمس باسم مرشح الحزب القومي، لكنه لم يفعل.
ماذا عن الحسابات العامة للمعركة؟
"نحن الأقوى في الكورة"، يقول مرشح "القوات" الدكتور كرم لـ"النهار" عبر الهاتف بين اجتماع واجتماع، وينتظر مع رفاقه في الحزب تسمية الحزب القومي من ينافسه. وفي أوساط سياسيين "قواتيين" اقتناع تام بأن المعركة فرضها النظام السوري و"حزب الله" على حلفائهما للحؤول دون إعطاء جعجع نصراً مجانياً. وهم يقرّون بأن من يربح معركة الكورة يربح معركة تمثيل مسيحيي الشمال، وهم يبدون اطمئناناً إلى النتائج معززاً بأرقام يقول حلفاء لهم إنها قد تكون "منفوخة بعض الشيء".
في الجهة القومية، يرى الدكتور العازار أن "الوضع لمصلحتنا أكثر مما كان في انتخابات 2009، بدءاً من مواقف البطريركية المارونية التي تغيّرت، إلى مواقف الكنيسة الأرثوذكسية في ظل تصاعد الأصوليات الإسلامية في الشمال، ومعروف من يدعمها من حلفاء "القوات". ويضيف سياسيون مراقبون أن وجود الوزير غصن في وزارة الدفاع يفترض أن يكون مؤثراً أيضاً في شكل أو في آخر.
ويكتفي عميد الإذاعة في "القومي" صقر بالقول إن "الكورة لا تشبه "القوات". أهل هذه المنطقة يحبون الإنفتاح والتنوع. صحيح ان الفريق الآخر فاز بالتحالف مع "تيار المستقبل" في الإنتخابات الماضية، لكن الظروف لم تعد هي نفسها".
في الأرقام يتوقع الخبراء في انتخابات الكورة أن يصوّت نحو 26 ألفاً ويرون تساوياً بين أصوات المسيحيين من الفريقين في أفضل الأحوال بالنسبة الى الحزب القومي إذا جيّش "المردة" و"العونيون" كل قواهم وهذا ما لم تظهر بوادره بعد، لتحسم المعركة أصوات 5000 سنّي كوراتي يؤيدون في غالبيتهم "المستقبل".