كتبت رلى موفّق في "اللواء":
على الرغم من مشهد الحرائق المتنقلة جرّاء الإطارات المشتعلة الاحتجاجية التي تستهدف تقطيع أوصال الطرق الحيوية، وجرّاء الاحتكاكات بين المخيمات الفلسطينية في نهر البارد وعين الحلوة وبين الجيش اللبناني على مداخلها، وقبلها حوادث طرابلس وما يرافقها من خروقات أمنية على الحدود الشمالية والشمالية الشرقية مع سوريا، فإن اقتناعاً لدى مراجع أمنية واسعة الاطلاع بأن الأوضاع في البلاد لا تزال تحت السيطرة، ذلك أن ما تشهده الساحة اللبنانية حتى الآن لا يتعدى كونه اضطرابات محدودة يمكن معالجتها واحتواء أضرارها، وإنْ تعددت أسبابها وأهدافها.
هذا الاقتناع مرده إلى المعطيات المتوافرة لدى تلك المراجع من أن القوى الأساسية المتحكمة بالقرار السياسي والأمني والعسكري اللبناني، والمتمثلة بـ"حزب الله"، تُدرك أن تفلّت الأمور داخلياً أمر مُكلف عليها بالدرجة الأولى، ولا إيجابية منه إذ لا يخدمها مطلقاً. والأهم أنه ليس لديها أي قرار بدفع المسائل إلى الانفلات الأمني الكلي والفوضى الشاملة، بغض النظر عن الشعور العميق المسيطر لدى طيف واسع من اللبنانيين بأن هيبة الدولة آخذة بالتآكل يوماً بعد يوم، بعدما فقدت الكثير من رصيدها منذ استباحة "حزب الله" وحلفائه في السابع من أيار بيروت، وانعكاس فائض القوة هذا على حال الانتظام العام في البلاد، والذي وصل إلى ذروته يوم أقدم الحزب وسوريا وحلفاؤهما على الإطاحة بزعيم الأكثرية النيابية – زعيم تيار المستقبل – سعد الحريري من سدة الرئاسة الثانية وخضوع زعيم المختارة وليد جنبلاط، بكتلته المقررة لهذه الأكثرية، إلى منطق الترهيب والتهديد.
وثمة معلومات يؤكدها سياسيون على صلة بـ"حزب الله" عن حال من الاستياء العام تسود الوسط القيادي لدى الحزب من قطع للطرق يحصل في المناطق الواقعة تحت سيطرته أو المحسوبة عليه بكل المعايير، ذلك أن هذه الأعمال تُحْسَب عليه، من دون أن يكون هو بالضرورة المحرّك أو المحرّض أو المنظّم لها، لا سيما أنه يتشارك الأرض مع حركة "أمل" بما يشكلانه من ثنائية شيعية مسيطرة على تلك المناطق، إضافة إلى وجود عائلي وعشائري يشكل حالات ميليشياوية ضمن الحلقة الميليشياوية الأكبر. فالقوى التي تتحرك على الأرض تُعبّر أحياناً عن ردات فعل عفوية لانقطاع الكهرباء والمياه وغياب الخدمات وسط ضائقة مالية ضاغطة تعانيها عائلات فقيرة وشبان عاطلون عن العمل، لكن هذا لا يعني عدم إمكان قيام هؤلاء بأعمال خارجة عن القانون، واستحالة وجود مخترقين يتخطون في حركتهم الإطار العفوي. وهو ما يقول قياديون في الحزب إنهم يتنبهون إليه ويعملون من خلال اللجان الأمنية المشتركة، بينهم وبين مسؤولي الحركة، لضبط حركة الشارع التي تظهر عليها أحياناً بعض مظاهر التفلّت.
تلك المعلومات يُدرجها هؤلاء السياسيون في سياق قراءة تنطلق من أن ثمة اختلافاً بين الرؤيتين السورية والإيرانية حيال الساحة اللبنانية، فسوريا – وفق ما يُعبّر عنه حلفاؤها المحسوبون كلياً عليها – لن تتوانى عن استخدام لبنان وتفجير ساحته وتخريبها لتخفيف الضغط عنها أو لتصفية الحسابات مع خصومها، حتى ولو اقتضى ذلك تأجيج الصراع السني – الشيعي، فيما إيران ومعها "حزب الله" لا تريد الانجرار لمعركة في الداخل اللبناني لم تُحدّد هي توقيتها وشكلها وأهدافها، لا سيما وأن طهران، التي تعاني من اشتداد الضغوط الاقتصادية عليها على خلفية مشروعها النووي، تعتبر أن لبنان الذي يؤمّن لها موطئ قدم على المتوسط هو أحد أوراق القوة لديها في مفاوضاتها مع الغرب والولايات المتحدة الأميركية تحديداً. ومن شأن أي انهيار أمني داخلي خارج عن سيطرة "حزب الله"، الذي يمسك بمفاصل البلاد، أن يحرق الورقة اللبنانية، في هذه اللحظة المصيرية التي تتشكل فيها معالم المنطقة من جديد على وقع الربيع العربي وتعاظم دور الإسلام السياسي من خلال وصول الحركات الإسلامية إلى سُدد الحكم بفعل صناديق الاقتراع، فيما هي تخسر نفوذها في أماكن استثمرت فيها وراهنت عليها طويلا لانتزاع اعتراف دولي بدورها كلاعب إقليمي وشريك في المنطقة.
غير أن هذه القراءة لا تؤول إلى أي مراهنة على إمكان ابتعاد إيران والحزب عن النظام السوري وحلفائه، أو عن دعمه بكل الوسائل الممكنة. لكنها تؤشر إلى عدم وجود قرار لدى الحزب بقيادة دفة الانهيار الأمني أو تغطيته بالكامل، ما يوفّر حيزاً لكلا السلطتين، السياسية والأمنية، للتحرّك والقيام بالمعالجات الممكنة، وتالياً ضبط الأمور في حدود اللانفجار، وتطويق الاضطربات المتنقلة على الساحة الداخلية ولو بالمسكنات، سواء تلك المرتبط منها بالأزمة السورية أو المستفيد من حالة فلتان الأمن الاجتماعي أو من حال المخيمات الفلسطينية التي برزت إلى السطح خلال الأيام الماضية، بعدما تحوّلت بفعل الاحتقان السياسي والاقتصادي والأمني إلى خزان وقود بشري قابل للاشتعال والانفجار في أي لحظة. وما الاحتكاكات الأخيرة التي حصلت مع الجيش اللبناني سوى نموذج عن حال التأزم الحاصل وجرس إنذار من محاولة جرّ المخيمات إلى مواجهات قاتلة، رغم اقتناع متابعين للشأن الفلسطيني بأن إمكانات استخدام المخيمات في لعبة حسابات النظام السوري هي إمكانات ضعيفة، في ظل التحولات التي شهدتها مواقف القوى السياسية والمزاج الشعبي داخل المخيمات المؤيّد للمعارضة السورية.
على أن السؤال الذي تكثر حوله التحليلات والتكهنات، من دون إجابات محددة، يتعلّق بماهية خارطة الطريق التي رسمها "حزب الله" على ضوء تطورات كل من المشهدين السوري والإيراني، وعما إذا كان الحزب قد أضحى أسير هذين المشهدين جزئياً أو كلياً؟ لعل بدايات تلمّس الجواب تأتي مع انعقاد الاجتماع الثاني لطاولة الحوار الوطني في بعبدا الاثنين المقبل، وما إذا كان لديه من شيء يقدمه.