تتجاوز موجبات اللقاء في بكركي اليوم بين وفد من مسيحيّي 14 والبطريرك بشارة الراعي التباينات السياسية، على أهميتها، إلى التمهيد لزيارة البابا بنديكتوس السادس عشر إلى لبنان والمقرّرة بين 14 و16 أيلول المقبلين.
تشكّل زيارة البابا حدثاً تاريخياً بذاتها فكيف بالحري إذا تزامنت مع اللحظة التاريخية التي تجتازها المنطقة مع اندلاع الثورات العربية، هذه الثورات التي أدخلت المنطقة في حقبة جديدة وأرّخت لمرحلة لم يعُد بالإمكان تجاهل معطياتها ومؤدياتها وما نتج عنها وما سيتمخّض من تحوّلات جذريّة ومفصليّة.
فزيارة البابا بهذا المعنى هي للشبك، لا القطع، مع هذه اللحظة التاريخية، لأنّه لو لم يكن متحمساً لهذه الثورات لما كان في وارد زيارة لبنان، باعتبار أنّ إبداء القلق ممّا يجري يضع المسيحيين في مواجهة مع محيطهم، وبالتالي يبقى من الأنسب عدم تسليط الضوء على هذا التوجّه، فيما المقصود من وراء هذه الزيارة تحفيزهم على الانفتاح على هذا المتحوّل الذي يشكّل لهم فرصة استثنائية من أجل تثبيت حضورهم وتأكيد دورهم الطليعي في الديموقراطية والحريات والتعدّد والتنوع والتفاعل مع مشهد ينسجم مع طبيعتهم وتضحياتهم وتطلعاتهم.
ومن هنا، فإنّ أهمية زيارة البابا تكمن في الرسالة التي تريد الكنيسة الكاثوليكية توجيهها إلى مسلمي لبنان والعالم العربي من لبنان بالذات الذي يجسّد الحضور المسيحي السياسي المشرقي بكل أبعاده ومنطلقاته، وفحوى الرسالة أنّ المسيحيين ينظرون بعين الأمل إلى الربيع العربي، ويتطلّعون إلى إنجاح النموذج اللبناني أو "وطن الرسالة" واستنساخه في العام العربي، فضلاً عن كونها رسالة تطمينية إلى المسيحيين أنفسهم بأنّهم غير متروكين ويحظون بعناية ورعاية، وهذه العناية لا تنفصل عن الحرص الدولي على سيادة لبنان واستقلاله.
وفي هذا السياق، هناك رغبة فاتيكانية في أن يكون المشهد في استقبال البابا جامعاً، وفي الوقت عينه غير مصطنع، لأنّ من أهداف الزيارة تزخيم الوضع المسيحي وترسيخ البعد التعايشي والتفاعلي، وأن تكون هذه الزيارة بمثابة الرافعة للدور المسيحي، وأن تشكّل مناسبة للقوى المسيحية، على اختلافها، من أجل التأسيس والبناء عليها في سبيل تجديد هذا الدور بعد جرعة الثقة التي ستولّدها في نفوس المسيحيين.
وفي مقابل الحرص الفاتيكاني على الوحدة المسيحية في إطار التنوع اللبناني والتي يتوقّف عليها مواكبة الزخم الذي ستولّده الزيارة ومتابعته، هناك حرص من قبل بكركي على الظهور بالمظهر الجامع وإحياء الصورة التي أعطتها لنفسها لحظة انتخاب البطريرك بشارة الراعي بأنّ أولويتها جمع الصفّ المسيحي وتجاوز الحساسيّات الداخلية والدفع باتّجاه التوافق على الملفّات المشتركة وتحييد الملفّات الخلافية ووضع خريطة طريق تُعيد الاعتبار للحضور المسيحي السياسي والديموغرافي والإداري والانتخابي…
فمِن مصلحة بكركي أن يكون المشهد المسيحي في استقبال البابا جامعاً شكلاً ومضموناً، خصوصاً أنّ الراعي يعتبر أنّ نجاحه في جمع القادة الموارنة شكل إنجازاً يُسجّل في خانته، وليس من مصلحته التفريط به، لا بل لديه منفعة في تظهير هذا الواقع إبّان الزيارة التاريخية نظراً إلى مردوده الإيجابي عليه وعلى دوره.
وهناك حرص أيضاً لدى القادة الموارنة في توثيق العلاقة مع الفاتيكان وتثمير الزيارة بما يخدم الوجود المسيحي، خصوصاً أنّ معظمهم كان مغيّباً قسراً لدى زيارة سلفه البابا يوحنا بولس الثاني في أيار 1997، وهم يدركون حجم الدينامية التي ستولّدها في الشارع المسيحي.
فالمشهد في بكركي اليوم يتجاوز إذا سوء التفاهم في وجهات النظر الذي نشأ بفعل الاختلاف في مقاربة الثورات العربية وتحديداً الثورة السورية، ومسألة سلاح "حزب الله" ودعوة الراعي إلى عقد اجتماعي جديد إلى ما هو أعمق من ذلك ويتّصل بزيارة البابا التاريخية، وهذا التجاوز ليس مردّه فقط لأنّ البطريرك صوّب مواقفه في هذه الملفّات الثلاثة إن لجهة دعم الكنيسة للحريات والكرامة الإنسانية وتنديدها بالإجرام على أنواعه، لا سيّما أنّ الوقائع في سوريا باتت تعبّر عن نفسها، أو لناحية التأكيد على حصرية السلاح داخل الدولة واعتبار العقد الاجتماعي تجديداً للميثاق الوطني، إنّما مرده إلى المسؤولية التاريخية المُلقاة على البطريرك والقادّة المسيحيين بعدم تفويت الدينامية التي ستولّدها زيارة البابا في هذه المرحلة المصيرية والمفصلية.
ولا شكّ أنّ تبديد سوء التفاهم القائم وفتح صفحة جديدة أمر مطلوب، إلّا أنّ الأهم يبقى في معرفة "استثمار" المفاعيل الاستثنائية لهذه الزيارة.
