تبدو حال التحالف الاكثري تحت وطأة الاضطرابات الامنية المتنقلة والتداعيات الكارثية لأزمة الكهرباء اشبه بمن علق بزواج قسري ولا يقوى على دفع كلفة الطلاق للتحلل من ورطته. ومع ان احدا لا تساوره الاوهام حيال قفزة غير محسوبة قد ينجم عنها فراغ حكومي، فان ذلك لا يحجب خطورة ان يعلق لبنان بسلطة تنازع البقاء فوق الدخان.
منذ بداية ايار الماضي انقلب الهواء اللبناني وبدأ الانزلاق نحو متاهة ذلك الشيء الذي يخيف. هذه الفوضى الزاحفة والمقترنة بانهيار الآليات الحكومية وخططها والتدهور المنهجي للهيبة الامنية والصعود المفزع للغوغاء، كلها ظواهر تفتت للسلطة.
وثمة بين قوى"الاكثرية"، اذا كانت التسمية لا تزال جائزة وواقعية، ما يشي بمعارك باطنية اكثر بكثير مما بينها وبين المعارضة. واذا كان لدخان الاطارات المشتعلة في ابشع صور لبنان واشدها جاهلية ان ينطق بالخلفيات، فهو ليس اقل من نذير حيال استحالة التمديد بالقوة القاهرة لسلطة استهلكت كل فسحات التمديد وفرصه، حتى ان جمهور قوى السلطة يتفوق على جمهور قوى معارضيها في التمرد والاحتجاج والفوضى.
ولعلها مفارقة ساخرة ان تركب قوى حكومية مركب النقمة الشعبية بيد وتمنع محاسبة الحكومة بيد اخرى، على غرار تلك المهزلة الدائرة في الجدل الاكثري حول كارثة الكهرباء. وربما يقتضي التذكير هنا للدلالة فقط على هذه الازدواجية، بان "الانقلاب" على "حكومة الوحدة الوطنية" السابقة حصل بطرفة عين خاطفة "عقابا" للرئيس سعد الحريري على مقابلته الرئيس الاميركي، ولكن كرسي اي وزير او حكومة لم تهتز طوال شهرين حتى الان، والحبل على الجرار في مشهد السقوط المتسارع للدولة.
كما يقتضي التذكير بان مجلس الوزراء امكنه التحايل على ملف المليارات المنفقة قديما وحديثا من خارج الموازنة واجترح لنفسه موازنة رديفة في سلفة غب الطلب حتى نهاية السنة، ولم يجد لنفسه فسحة لاعادة النظر في مصير ثلاث خطط على الاقل اقرها للعنة التيار الكهربائي المفقود، ولا الوزير المسؤول يعترف بمسؤوليته ولا الحكومة مجتمعة تقر بمسؤوليتها. اما مجلس النواب فحدث ولا حرج. وقد امكنه هو الآخر ان يجمع على عجل لجانه المشتركة لتثبيت جحافل المياومين الذين استرهنوا مؤسسة الكهرباء، ولا يستشعر مسؤوليته الرقابية في مجرد عقد جلسة مناقشة عامة طارئة تستوجبها كارثة "قومية" بكل ما للكلمة من معنى.
مع ذلك هذه الازدواجية مفضية لا محال الى انفجار من داخل. واذا كان التحايل على الآليات الدستورية والقانونية وسيلة يتيمة لمد الحكومة بمصل البقاء، والتهرب من تحمل المسؤولية، فان تعطيل النظام على ايدي حماته غالبا ما يكون اسرع الطرق الى معاقبة اصحابه.