إذا كانت محاولة اغتيال سمير جعجع قد افتتحت بداية مرحلة الانقلاب على التفاهم الضمني الذي طبّق بعد الدوحة، بين جهتين، الأولى توقّفت عن تنفيذ عمليات اغتيال، والثانية توقّفت عن دفع الأموال، فإنّ الكشف عن الإعداد لاغتيال الرئيس فؤاد السنيورة أتى ليشير إلى استمرار هذا المسلسل، الذي لم يتمّ تجميده على رغم جلوس السنيورة نفسه على طاولة الحوار، وهو ما يعني الكثير، في علم التفاوض على الحامي والبارد.
ليس مستبعداً أن تكون جهة عربيّة أو أجنبيّة قد سرّبت المعلومات للسنيورة ليأخذ ما أمكن من الاحتياطات، وهو غير مستبعد أيضاً أن يكون أحد الأجهزة الأمنية، تحديداً فرع المعلومات وراء التسريب، وذلك بقصد إيصال رسالة للمخططين عن انكشاف خطط الاغتيال، وبذلك يكون التسريب عملاً أمنيّاً وقائياً ومكشوفاً، وتكون لغة الرموز قد أصبحت من الماضي، ذلك على رغم أنّ من سرّبوا باتوا يملكون التفاصيل التي تؤكّد أنّ لغة التصفية الجسدية تمّ إحياؤها من جديد، هذا إذا لم تتحوّل هذه اللغة في وقت لاحق إلى تطوير لمنطق الفوضى والعنف، الذي يُراد منه فرض وقائع سياسية تسبق السقوط المحتمل للنظام السوري أو تعقبه.
ما حصل منذ أيام وما يتعلّق باستهداف السنيورة، ذكّر بمحاولة اغتيال جعجع التي وصلت خطورتها إلى حدّ التنفيذ العملي، وذكّر أيضاً بالتحضير لمحاولة اغتيال اللواء أشرف ريفي والعقيد وسام الحسن، اللذين اتّهما بمساعدة الثوار السوريين. والتسريب يذكّر بذلك التسريب الذي سلّط الضوء على إعداد لسيّارات مفخّخة، كانت لو لم يُكشف عن المعلومات ستوضع في أحد شوارع الأشرفية لتنفيذ الاغتيال.
ورُبَّ مَن يسأل اليوم بعد استعادة لغة الاغتيال السياسي، هل يمكن لكشف هكذا مخطّطات أن يؤدّي إلى تراجع الجهة أو الجهات المخطّطة عن المضي في الوصول إلى أهدافها، كما يسأل هل يُمكن لكشف من هذا النوع أن ينبّه مَن لا يفترض أن يتنبّه، إلى أنّه بات يعمل عكس الماضي خارج الغرف المظلمة، وأنّه مرصود إلى درجة لا يمكن أن يقوم بعملية من هذا النوع من دون أن يترك أثراً سواء أكان في مرحلة التخطيط أم التنفيذ أم مرحلة ما بعد ارتكاب الجريمة التي تفترض محو الآثار، إلى درجة الوصول إلى ما كان يُسمّى في الجرائم الماضية بالملفّ الفارغ؟
الأرجح أنّ طريقة تناول هذه المعلومات عن التحضير لعمليات اغتيال، تؤدّي إلى ضرر جسيم يُصيب مصادر المعلومات التي تُستقى منها سواءٌ أكانت تلك المصادر التي تسرّب معلومات بقصد التضليل والتعمية، أم تلك التي تنقل أقرب صورة عمّا يجري، لكن ومع هذا الضرر، فإنّ تعمُّد نشر هذه المعلومات من الجهات المختصّة لا يعدو كونه الخيار الأخير لمنع حصول الاغتيال، على ما يقوله الأمنيّون الذين باتوا يتّصفون على قاعدة كشف النيّات لمنع تحوّلها أفعالاً، "فلن ننتظر كما في المرّات السابقة ليتمّ وضع السيّارات المفخّخة وتفجيرها، لكي نتأكّد ونؤكّد للناس أنّنا نتعرّض إلى عمليات اغتيال، وليس إلى مؤامرات وهمية".
في الإطار عينه، يلفت مطّلعون إلى أنّ مخطّط استهداف المسؤولين اللبنانيين الذين ينتمون إلى جهة واحدة، لم يتوقّف عند سقف معين، فإضافة إلى السنيورة، تشير معلومات إلى رصد المزيد من محاولات استهداف سمير جعجع.
فبعد فشل المحاولة الخلّاقة لقتله في منزله قنصاً، تطوّر الأمر الآن إلى أسلوب خلاق جديد، استدعى قيام المعنيين المولجين أمن الرجل، من جهات رسميّة ومن أمنه الخاص، تفتيش الطرقات ورصدها خصوصاً التي يمكن أن يسلكها موكبه (إذا خرج من معراب)، للتأكّد أنّ هذه الطرقات خالية من الأدوات الخلّاقة التي لا يمكن كشفها بسهولة (صخور مفخّخة موضوعة إلى جانب الطريق، تفخيخ داخل العبّارات المائية أو ما شابه).
لا يخفى أنّ جعجع، الجميّل والسنيورة وغيرهم باتوا على رأس القائمة المطلوب اصطيادها، بما يشبه العودة إلى حرب الاغتيالات السابقة، التي كانت إيذاناً ببدء مرحلة لم تنتهِ مفاعيلها إلى الآن.