ماذا تبقى لها من لبنان لتصر حكومة دمشق حزب الله المتداعية المتهدمة المنهوكة بالفساد والرشوة والفضائح التي لا تحصى، حكومة العجز والقصور والتخاذل لتحكم؟ ألم تكفها سياسة النأي بالنفس السيئة الذكر والصيت التي أطاحت بالبلاد عملياً خارج المجموعة العربية فبددت بسوء سلوكها وحماقة ادائها اية بارقة أمل في استعادة موسم السياحة والاصطياف عافيته المتعبة، أو على الأقل بعضها، وهو الموسم الذي تعلق عليه عشرات ألوف العائلات الآمال كمصدر لرزقها السنوي؟
كيف يجرؤ رئيسها على الوثوب إلى الطائرة التي أقلته إلى البرازيل للاشتراك في مؤتمر يتدارس مندوبوه الدوليون الفقر والعوز والتخلف، والفقر والعوز والتخلف يعشش في بلاده هو الذي زادتها سياسته تعاسة وحاجة وجوعاً، وفشلاً مدوياً في مختلف الميادين والصعد؟
ألم تصله إلى هناك الأنباء عن خروج الناس إلى الشوارع طوال نهار أمس الاثنين وخلال الليل، من قطع طرقات وإحراق اطارات وإلقاء القامة على مفترقات الطرق، وهياج جماهيري غير مسبوق تندد به وتلعن على رؤوس الاشهاد وزير الطاقة الذي يتهمه اللبنانيون بالفساد والصفقات المريبة والفضائح؟.
ها هي بيروت تئن في ظلام دامس، هذه العاصمة التي نهض بها من دمار الحرب والركام والعتمة الرئيس رفيق الحريري فأعاد لها بريقها واضواءها ونبض الحياة بل عنفوانها وتراثها الثقافي والحضاري، فإذا بقوى الأمر الواقع والردة الظلامية تفتح علينا باستشهاده أبواب الجحيم.
انظروا إليها كيف أصبحت تعيش في عتمة حالكة وسكون الاموات الآن. لا قيمة للإنسان في لبنان هذا هو الشعار المتداول على كل لسان بعد الفضائح المخيفة التي تضرب لبنان ابتداء بالغذاء ومروراً بالعناية الصحية وآفة الكهرباء وانتهاء بانعدام الرقابة على الجسم الطبي والمستشفيات. فحياة المرء مرهونة بالمال والثروة والنفوذ السياسي فمتى تضاءلت أو انعدمت هذه المقومات فهو إلى هلاك محتوم. هذه هي لسان حال مئات الألوف من الفقراء وصغار الكسبة والمستخدمين والاجراء وأصحاب الدخل المحدود، فقراء شعبنا يا دولة الرئيس الغائب عن الواقع. ولن يكون بمقدوركم طمس مطالبهم أو تغييبها والالتفاف عليها عن طريق استنبات اتحاد عمالي مزيف يلعب لعبة طائفية مذهبية بعيداً عن مسارها الصحيح، أو بافتعال مشكلات جانبية مع الفلسطينيين وهي لعبة تعود الى زمن ولّى عهده.
تتدهور بسرعة مذهلة القدرة الشرائية لدى الفئات الشعبية كما ترتفع أسعار السلع الغذائية الضرورية بجنون محموم. باللصوصية والبغاء والاتجار العلني بالمخدرات، وغياب الأمن والاستقرار تطبع حياتنا اليومية. ضحكة الناس مغتصبة والوجوم يسيطر على المارة، يسيرون مطأطئي الرؤوس لا يلوون على شيء فالقلق هو خبزهم اليومي، لا يعلمون عن غدهم شيئاً، والغد يحمل أياماً أسوأ على الدوام. فكيف نقنع هؤلاء بقيمة الحياة ما دام الأمن والصحة بعيدَي المنال؟
أو تنطلي على اللبنانيين تلك اللعبة الجهنمية التي تُدار ببراعة وذكاء، بافتعال مشكلات وصدامات جانبية من حين لآخر مع المخيمات الفلسطينية وتصويرها كأنها هي سبب كل مآسي شعبنا ومعاناته، فالأصابع التي تديرها من داخل المخيمات وخارجها معروفة الولاء والانتماء. والسلطة تعلم جيداً مَن يضخ دون توقف باتجاه هذه المخيمات الخارجين على القانون والارهابيين فتتحول الى بؤر جاهزة لخدمة وتنفيذ العديد من المخططات. ولعل احد هذه المخططات صرف الأنظار عن حقيقة الأزمة الأمنية والاقتصادية والمعيشية والاجتماعية التي ينوء تحتها لبنان.
إن النظام الأسدي الماضي حتى الهاوية في سياسته الدموية في قمع وقتل وتصفية وإبادة كل معارضة جدية أكانت سلمية أو مسلحة يبديها الشعب السوري، حيث لا يتورع عن تدمير المدن وتسويتها بالأرض وحرق الأحياء واغتصاب النساء والتمثيل بالجثث، ما زال مصراً على تصدير أزمته هو الآخر إلى الداخل اللبناني ظناً انه بذلك يحرّف مسار معركته باتجاه آخر.
فهو بكل قحة وصلافة وتسلّط يجتاح بكتائب الاسد وشبيحته والقتلة، بل آكلة لحوم البشر في العصر الحديث، القرى الحدودية عندنا والبلدات القريبة كعرسال وبلدات وقرى عكار. بل يعاونه في ذلك مسلحون وعملاء وميليشيات ممتثلون لإرادته يسرحون ويمرحون في طول لبنان وعرضه، يمارسون الاغتيال والخطف في وضح النهر. هذا والحكومة الأسدية عندنا تتفرج وتبرّر وتغمض عينيها خدمة لنظيرتها القابعة في دمشق، فهل وصلنا يوماً الى حال أسوأ من الذي نحن فيه الآن؟
فليكن واضحاً جلياً أمام الشعب اللبناني الذي يتخبط في تعاسة لا مثيل لها وأزمة متعددة الجوانب ما زالت هوة فاغرة فاها بلا قرار، ان مشكلاتنا ليست قطعاً الشعب الفلسطيني المشدود أبداً الى الارض المحتلة، وليست في مساندة القوى الوطنية والديموقراطية للثورة السورية وقواها الحية وانعكاساتها، ولا اصرارنا على لبنان معافى من كل اشكال الاحتلالات، بل مع المشاريع السياسية الآخذة بنا عنوة الى دمار لبنان وهلاك اهله والتي تفرض على اللبنانيين منطقاً يرفضه المنطق نفسه وذلك بقوة السلاح والمتمثل بحكومة من صناعة أسدية يديرها حزب الله، والتي لا يمكن ان تستمر في السلطة حتى ولو تمترست وراء الف طاولة حوار.