لم يكن متوقعاً حتى الأمس أن تبلغ الانشقاقات الطيران الحربي السوري وطياريه، اللحظة ذكرتنا بذاك الطيار الليبي الذي فرّ بطائرته بعدما رفض أوامر نظام القذافي وعائلته المجرم بقصف الأبرياء الليبيين، فكان انشقاقه أول بشائر انتصار الثورة الليبية على رغم استفحال القتل والإجرام فيها، فمشهد القذافي الجرذ المذعور بين أيدي الليبيين حفظته الذاكرة كأقلّ ما يستحقّ قد الانتقال إلى جهنم ليخلد فيها، ما كان متوقعاً هو اعتبار النظام السوري العقيد الطيار حسن مرعي حمادة «خائن وفارّ من الخدمة»، والمضحك هو مطالبته بالطائرة، والسؤال الطريف الذي على النظام البحث عن إجابة له هو: ماذا لو انشقّ الطيّارون وبقيت الطائرات؟!
تطوّر نوعي آخر يشير إلى اقتراب النهاية وأسرع مما قد نظنّ بكثير تجلّت في انشقاق كتيبة كاملة في حماه الأمر الذي يفسّر جنون القصف الهمجي الذي تعرضت له المدينة، والآخر سيطرة الجيش الحر على أسلحة متطورة في الريف الشامي بمن فيها صواريخ كاتيوشا التي تمّ استخدامها أمس للمرّة الأولى، وفي ضوء هذيْن التطوريْن علينا أن نقرأ ما قيل إنه عرض أورده الاعلام البريطاني أمس مفاده أن بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية مستعدتان للعفو عن رئيس النظام السوري بشار الأسد اذا وافق على الانضمام إلى مؤتمر للسلام في سوريا وانتقال سلس للسلطة!!
تسريب هذا العرض بالأمس مع التأكيد على أنه «العرض الأخير» لا بدّ من قراءته أيضاً في ضوء تحرّك حاملة الطائرات أيزنهاور والتي تحمل رسالة جدية جداً للبارجات الروسية، وإيران وحزب الله، ومن خلفهما النظام السوري، وإذا ما جمعت كلّ هذه الجزيئات إلى سؤال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين :من سيخلف الأسد، ستكون الإجابة واضحة وجليّة، وبناء عليه ستكون الأيام المقبلة قاسية جداً على سوريا وشعبها، فالجنون سيضرب النظام «المجنون أساساً»، سيدخل مرحلة يكون فيها أشبه بمصاب بالصرع والعمى والذّعر!!
اللبناني هو الأقدر والأكثر فهماً لعقليّة نظام تحكّم بقدر لبنان وشعبه ومقدّراته ونهبها نهباً منظّماً وهذا ملفّ سيفتح بكامله بعد سقوط النظام ليكتشف اللبنانيين حقائق مذهلة ستؤدي إلى اعتزال أو انتحار عدد كبير من غالب الطبقة السياسية، باستثناء رجل واحد يتقدّم ويكبر بثبات في أعين لبنان وشعبه لاكتشافهم مدى صدقه وحقيقة كونه مقاوم لبناني شريف، وحده الدكتور سمير جعجع سيخرج من «وحول سقوط النظام السوري وانفتاح ملفاته القذرة» في لبنان.
عملياً، العرض البريطاني ـ الأميركاني شديد الغباء، ويؤكد عدم فهم أنظمة الغرب لعقليّة الديكتاتورية في الشرق الأوسط والعالم العربي عموماً، فدول هذه المنطقة لا تعيش من ضمن منظومة أنظمة سياسية ديكتاتوريّة، ولا حتى من ضمن نظرية «الحزب الحاكم»، عمليا هذه المنطقة تحكمها «عائلات» التقطت بالدماء والقتل زمام السلطة ولن تفلته لأنها لم ترَ نفسها يوماً خارج توحشها لشهوة الحكم، «بلا مواخذة» من الديموقراطيّة الغربيّة هي تتعامل مع «آلهة» «لا تعرف الله».
النوذج اليمني لا يصلح لسوريا، فآل الأسد غير آل علي عبد الله صالح، فقبليّة اليمن الحاضرة في السلطة ساعدت في فرض نظرية الانتقال السياسي على ضفاف الدم، اليمن وجزيرة العرب عموماً تدرك أن تاريخهم فيه حربي «داحس والغبراء» و «حرب البسوس» فالقبائل مستعدة لإفناء بعضها من ضمن منظومة الثأر، أما القبائل في ليبيا فنكبها معمّر القذافي كلّها لصالح عائلته وأبنائه، ليبيا تشبه سوريا أكثر، كلّ شيء هناك ظنوه ملك أبيهم ورثه كابر عن كابر، وورثوه عنه، في سوريا أصبح الشعب إرثاً تقاسمته عائلة الأسد.