الجمعة الرّابعة من زمن العنصرة
قراءةٌ من وثائقِ المجمعِ المسكونيِّ الفاتيكانيِّ الثَّاني مائدةُ الكلمة
(دستور عقائديّ في الوحي الإلٰهي، 21)
إِحترمتِ الكنيسةُ دومًا الكتبَ الإِلٰهيَّةَ كما ٱحترمتْ جسدَ الرَّبِّ نفسَهُ. فإِنَّها لا تنثَنِي تأْخذُ خبزَ الحياةِ، خاصَّةً في اللِّيتورجيَّا المقدَّسة، سواءً عنْ مائدةِ كلمةِ اللهِ أَو عنْ مائدةِ جسدِ المسيحِ لتقدِّمَهُ للمؤْمنينَ.
ولقدِ ٱعتبرتِ الكنيسةُ دائمًا ولا تزالُ تعتبرُ هٰذهِ الكتبَ معَ التَّقليدِ المقدَّسِ قاعدةً مطلقةً لإِيمانِها: إِنَّها إِلهامٌ منْ لدنِ الله، ولقدْ سطَّرتْ كتابةً بصورةٍ نهائيَّة، لتوزِّعَ كلمةَ اللهِ بٱلذَّاتِ دونمَا تغيير، وتجعلَ صوتَ الرُّوحِ القدسِ يدوِّي في أَقوالِ الأَنبياءِ والرُّسل.
لذٰلكَ يجبُ على كلِّ كرازةٍ كنسيَّة، وعلى الدِّيانةِ المسيحيَّةِ ذاتِها، أَنْ تتغذَّى منَ الكتابِ المقدّس، وأَنْ تخضعَ لتوجيهِه، ففي الأَسفارِ المقدَّسة، يلتقي الآبُ السَّماويُّ بأَبنائهِ بمحبَّةٍ، ويُكالِمُهم.
ولكلامِ اللهِ منَ الشِّدَةِ والفاعليَّة، بحيثُ أَنَّ الكنيسةَ تجدُ فيهِ دعامةً وقوَّة، وأَبناءَها يجدونَ فيهِ لإِيمانهِم عضدًا ولنفسهِم قوتًا، ولحياتهِم الرُّوحيَّةِ ينبوعًا صافيًا وخالدًا. ولهٰذا تصحُّ في الكتابِ المقدَّسِ الأَقوالُ التَّالية: "إِنَّ كلامَ اللهِ هو حيٌّ وفعّالٌ"؛ "أَلقادرُ أَنْ بينيَكُمْ ويؤتيكُمُ الميراثَ معَ جميعِ القدِّيسين".
الرّسالة: رسل 8: 26-40
فيلبّس يعمّد الحَبَشيّ
26 وكلّمَ ملاكُ الرّبّ فيلبّس قائلًا: "قُمْ وٱذهبْ نحو الجنوب، في الطّريقِ المنحدرةِ من أورشليمَ إلى غزّة، وهي طريقٌ مقفرة".
27 فقامَ وذهب. وإذا برجلٍ حبشيٍّ خصيّ، ذي منصبٍ مرموقٍ لدى قنداقةَ ملكةِ الحبشة، وخازنِ جميعِ أموالها، كانَ قد حجّ إلى أورشليم للسّجودِ فيها،
28 وكانَ عائدًا منها إلى بلادهِ، جالسًا في مركبته، وهو يقرأُ النّبيّ آشعيا.
29 فقالَ الرّوحُ لفيلبّس: "إقتربْ، وٱلزمْ هٰذه المركبة!".
30 فأسرعَ فيلبّسُ إلى المركبةِ فسمعَ الحبشيّ يقرأُ النّبيّ آشعيا، فقالَ له: "هل تفهمُ ما تقرأ؟".
31 فقال: "وكيفَ يمكنني إن لم يرشدني أحد؟". ثم دعا فيلبّس إلى أن يصعدَ ويجلسَ معهُ.
32 وكانَ يقرأ من الكتابِ هٰذا النّص: "كشاةٍ سيقَ إلى الذّبح، وكحملٍ صامتٍ أمامَ الّذي يجزُّهُ، هٰكذا لا يفتحُ فاه.
33 في ٱتّضاعهِ سُلبَ حقُّه. فمن يُخبرُ عن ذرّيتهِ، وقد أزيلتْ حياتهُ عنِ الأرض؟".
34 فأجابَ الخصيُّ وقالَ لفيلبّس: "أرجوك! عمّن يقولُ النّبيّ هٰذا الكلام؟ عن نفسهِ أم عن شخصٍ آخر؟".
35 ففتحَ فيلبّسُ فاهُ، وٱنطلقَ من نصّ الكتابِ هٰذا، وأخذَ يبشّرهُ بيسوع.
36 وفيما هما يتابعانِ طريقهما، وصلا إلى مكانٍ فيه ماء، فقالَ الخصيّ: "هوذا ماء، فماذا يمنعُ أن أعتمد؟".
37 فقالَ فيلبّس: "يمكنكَ أن تعتمد، إن كنتَ تؤمنُ من كلّ قلبك!". فأجاب: "إنّي أؤمنُ أنّ يسوعَ المسيحَ هو ٱبنُ الله!".
38 ثم أمرَ بإيقافِ المركبة، ونزلا كلاهما في الماء، فيلبّس الخصيّ، فعمّدهُ فيلبّس.
39 ولمّا صعدا من الماء، خطفَ روحُ الربّ فيلبّس، وما عادَ الخصيّ يراه، فمضى في طريقه فرحًا.
40 أمّا فيلبّسُ فوجدَ في أشدود. وكانَ يجولُ مبشّرًا كلّ المدن، حتى وصلَ إلى قيصريّة.
شرح آيات الرّسالة:
26 متّى 1/20.
ملاك الرّبّ: ويدعوه لوقا "الرّوح" في الآيتين (29، 39).
شطر الجنوب: وفي مخطوطات "نحو الظّهر" (22/6).
27 مز 68/32؛ آش 56/3-7.
قنداقة: ليس ٱسم علم، بل لقب ملكة الحبشة، كما كان فرعون لقب ملك مصر.
30 تقرأ: بصوت جهير، كما كانت العادة لدى الأقدمين.
31 يو 16/13؛ روم 10/14.
32-33 آش 53/7-8؛ لو 18/31-33.
نصّ من (آش 53/7-8) بحسب التّرجمة اليونانيّة، وهي ترجمة غير دقيقة لنصّ عبريّ غامض. يرى فيه فيلبّس إِشارةً إلى يسوع المتألّم (8/32)، فيسوع القائم بالمجد (8/33)، ويتفرّد لوقا بين الإنجيليّين بالمقارنة بين عبد الله المتألّم في آشعيا (52/13-53/12) ويسوع المتألّم (لو 22/37؛ رسل 3/13، 26؛ 4/27، 30).
35 لو 24/27.
36 رسل 10/47؛ 11/17.
37 يضيف التّقليد الغربيّ هٰذه الآية، وفيها صدى لرتبة العماد: "قال فيلبّس: إن تؤمن من كلّ قلبك فذٰلك جائز. قال الخصيّ: أومن أنّ يسوعَ المسيحَ ٱبنُ الله!".
39 1 مل 18/12؛ لو 24/31-32.
41 رسل 21/8.
الإنجيل
متّى 18: 21-35
الغفران بدون حساب
21 حينئذٍ دَنا منهُ بطرس وقال له: "يا ربّ، كم مرّةً يخطأُ إليَّ أخي، وأظلُّ أغفِر لهُ؟ أإلى سبع مرّات؟".
22 قال له يسوع: "لا أقول لكَ: إلى سبعِ مرّات، بل إلى سبعين مرّةً سبعَ مرّات.
مثَل العبد القاسي
23 لذٰلِكَ يُشبهُ ملكوت السّماوات ملِكًا أرادَ ان يُحاسب عبيدَهُ.
24 وبدأ يُحاسبهم، فأُحضِرَ إليهِ واحدٌ مديونٌ لهُ بستّينَ مليونَ دينار.
25 وإذ لم يكُن بهُ ما يوفي بهِ دينهُ، أمرَ سيّدهُ بان يُباعَ هوَ وزوجتهُ وأولادهُ وكلُّ ما يملِك ليُوفي الدَّين.
26 فوقعَ ذٰلكَ العبدُ ساجدًا له وقال: أمهِلْني، يا سيّدي، وأنا أُوفيكَ الدَّينَ كلَّهُ.
27 فتحنَّنَ سيّدُ ذٰلك العبد وأطلقهُ وأعفاهُ من الدّين.
28 وخرجَ ذٰلك العبد فوجَدَ واحدًا من رفاقه مديونًا له بمئة دينار، فقبضَ عليه وأخذَ يخنُقَهُ قائلًا: أوفِني كلَّ ما لي عليك.
29 فوقعَ رفيقهُ على رجلَيه يتوسَّل إليه ويقول: أمْهِلني وأنا أوفيك.
30 فأبى ومضى بهِ وطرحَهُ في السِّجن، حتّى يوفي دَينَهُ.
31 ورأى رِفاقهُ ما جرى فحزِنوا حُزنًا شديدًا، وذهبوا فأخبروا سيّدهم بكلِّ ما جرى.
32 حينئذٍ دعاهُ سيّدهُ وقال لهُ: أيُّها العبدُ الشّرّير، لقد أعفَيتُكَ من كلّ ذٰلكَ الدّين، لأنَّكَ توسَّلتَ إليَّ.
33 أمَا كان عليكَ أنتَ أيضًا أن ترحَم رفيقَكَ كما رحِمتُكَ أنا؟!
34 وغَضِبَ سيّدهُ فسلَّمهُ إلى الجلاّدين، حتّى يوفيَ كلَّ ما عليه.
35 هٰكذا يفعل بكم ايضًا أبي السَّماوي، إن لم تغفروا، كلُّ واحدٍ منكم لأخيه، من كلِّ قلوبكم".
شرح آيات الإنجيل:
21-22 لو 17/3-4؛ متى 6/12.
22 تك 4/24.
سبعين مرّة سبع مرّات: تقليد التّوراة الحكمي يأمر بالغفران (سي 27/2-5)، فدعوة يسوع إلى الغفران هنا ليست جديدة بالنّسبة إلى العهد القديم، ولا بالنّسبة إلى تعليمه (6/12، 14)، وإنّما الجديد هو الغفران المتواصل: العدد 7 يعني الشّمول، والغفران سبع مرّات، أو سبعين مرّة سبع مرّات، أو سبعا وسبعين مرّة، هو غفران كلّما دعت إليه الحاجة. ودون حدود أو قيود.
23 متّى 2/19.
عبيده: لا يعني اللّفظ دائما العبوديّة، ويطلق غالبا في الكتاب المقدّس، على شخصيات مهمّة (1 مل 8/14؛ 4 مل 5/6؛ عز 4/7، 9، 17، 23؛ 5/3، 6؛ 6/6، 13؛ متّى 13/27؛ 25/14-30).
24 ستين مليون دينار: بهاظة المبلغ تعني عجز ذٰلك العبد عن قضاء دينه، وتدلّ على حالة يائسة لا ينقذه منها سوى سيّده – وتلك حالة الإنسان مع ربّه.
27 لو 7/42.
28 مئة دينار: المبلغ زهيد بالنّسبة إلى المبلغ السّابق، فلا نسبة بين ما يغفره الإنسان للإنسان، وما يغفره الله.
34 متّى 5/25-26؛ لو 12/58-59.
36 متّى 6/12، 15؛ مر 11/25؛ أف 4/32؛ قول 3/13.
للعلم والخبر، للأمانة والدّقة، نعلن ما يلي:
مرجع القراءة: (صلاة الشّحيمة الزّمن العاديّ جامعة الرّوح القدس – الكسليك 1982).
مرجع نصّيِ الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، التّرجمة اللّيتورجيّة، إعداد اللّجنة الكتابيّة، التّابعة للجنة الشّؤون اللّيتورجيّة البطريركيّة المارونيّة. طبعة ثانية منقّحة – 2007).
مرجع شرح آيات الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، كليّة اللّاهوت الحبريّة جامعة الرّوح القدس – الكسليك 1992).
نقله: فلّاح بكرم الرّبّ.