السّبت الرّابع من زمن العنصرة
قراءةٌ من مارِ أَفرامَ السُّريانيّ (+373) جمالٌ في قلبِ الزَّوال
(في الآخرة والعقاب، 3/2، 4-5)
أُطردْ يا ربُّ ظلماتِ اللَّيلِ من فكرنا بأَنوارِ نهارِ معرفتكَ، لكي يخدُمَكَ فكرُنا المستنيرُ بتجدُّدِهِ في النَّقاوة.
عندما تبدأُ الشَّمسُ مسيرتَها يبدأُ المائتونَ عملهُم، فٱجعلْ ، ربِّ عقولَنا مسكنًا جميلًا لذٰلكَ النَّهارِ الَّذي لا يعتريهِ زوال. إِمنحنا أَن نرى فينا الحياةَ المستمدَّةَ بٱلقيامة، وأَلَّا يبعدَ فكرنَا شيءٌ عنْ جمالِكَ. إِطبعَ فينا، ربِّ، آثارَ ذاكَ اليومِ الَّذي يخضعُ لحركةِ الشَّمسِ ومسيرتَها، وهبْ لنا أَن نطلبَكَ مثابرين.
هل نستطيعُ أَنْ تقبلَكَ كلَّ يومٍ منْ كنزِ أَسراركَ، نتناولَكَ في جسدنَا؟ أَهِّلنا أَنْ نختبرَ فينا القيامَةَ الَّتي نترجَّى. لقد خبأْنا ذٰلكَ الكنزَ في جسدِنا إِلى نعمةِ المعموديَّة، فليزدْ غنى هٰذا الكنزِ على مائدةِ أَسراركَ. إِنضحنا بفرحِ نعمتكَ. إِنَّا نأْخذُ عربونَ وليمتكَ الرُّوحيَّة، علَّنا نحصلُ عليهِ فعلًا وقتَ التَّجديدِ الآتي.
هل يعطى لنا أَن ندركَ إِلى أَيِّ جمالٍ نحنُ مدعوُّونَ بٱكتشافنا هٰذا الجمالَ الرُّوحيَّ الَّذي فجَّرتهُ إِرادتُكَ الأَزليَّةُ في قلبِ الزَّوالِ عينهِ؟
إِنَّ صلبَكَ ، يا مخلِّصَنا، قد ضربَ حدًّا لحياتكَ الجسديَّة، فٱمنحنا أَنْ نصلبَ فكرَنا سبقًا لحياةِ الرَّوح. قيامتُكَ يا يسوعُ تمنحُ إِنسانَنا الرُّوحيَّ عظمتَها، فليكنْ تأَمُّلنا أَسرارك مرآةً نتبيَّنُكَ فيها.
تصميمُكَ الإِلٰهيّ، يا مخلِّصَنا، يصوِّرُ عالمَ الرُّوح ، فٱمنحنا أَنْ نغوصَ فيهِ كما يليقُ بٱلإِنسانِ الرُّوحانيّ. لا تحرمْ نفسنا، يا ربِّ، منْ ظهوركَ الرُّوحيّ، ولا تبعد عن أَعضائِنا حرارةُ حبِّكَ. الزَّوالُ الخبيّءُ في جسدِنا، يملأُنا فسادًا، فليكن حبُّكَ الرُّوحيُّ مطهِّرًا قلبَنا منْ نتاجِ هٰذا الواقعِ العابر. إِمنحنا، ربِّ، أَنْ نسرعَ نحوَ مدينتِنا وأَنْ نتأَمَّلَ فيهِا، فنُهيمِنَ عليها على مثالِ موسى من شرفةِ الجبل!
الرّسالة: رسل 9: 1-6، 10-11، 15-19
دعوة شاول
1 أمّا شاولُ فكانَ لا يزالُ ينفُثُ على تلاميذِ الرّبّ تهديدًا وتقتيلًا، فذهبَ إلى عظيمِ الأحبار،
2 وطلبَ منهُ رسائلَ إلى مجامعِ دمشق، حتّى إذا وجدَ أناسًا على هٰذه الطّريقة، رجالًا ونساءً، يسوقهم موثوقينَ إلى أورشليم.
3 وفيما هو ذاهب، وقد ٱقتربَ من دمشق، إذا بنورٍ ساطعٍ منَ السّماءِ يلفّهُ بغتةً.
4 فسقطَ إلى الأرض، وسمعَ صوتًا يقولُ لهُ: "شاول، شاول، لماذا تضطهدني؟".
5 فقال: "من أنت، يا ربّ؟". قال: "أنا هو يسوعُ الّذي أنتَ تضطهدهُ!
6 ولٰكن قُم، وٱدخلِ المدينة، فيقالَ لكَ ما يجبُ عليكَ أن تفعل".
10 وكانَ في دمشقَ تلميذٌ ٱسمهُ حنانيّا. فقالَ لهُ الرّبّ في رؤيا: "يا حنانيّا!". فقال: "هاءنذا، يا ربّ!".
11 فقالَ لهُ الرّبّ: "قمْ وٱذهبْ إلى الشّارعِ المُسمّى بالقويم، وٱطلبْ في بيتِ يهوذا رجلًا من طرطوسَ ٱسمهُ شاول. فها إنّهُ يصلّي،
15 فقالَ لهُ الرّبّ: "إذهب، لأنّ هٰذا الرّجلَ هو لي إناءٌ مختار، ليحملَ ٱسمي أمامَ الأمم، والملوك، وبين إسرائيل.
16 فأنا سأريهِ كم يجبُ عليهِ أن يتألّم من أجلِ ٱسمي!".
17 فمضى حنانيّا، ودخلَ إلى البيت، ووضعَ يديهِ على شاول، وقال: "يا شاولُ أخي، إنّ الرّبّ يسوعَ الّذي تراءى لكَ في الطّريق الّذي سلكتهُ، قد أرسلني لكي تعودَ فتبصر، وتمتلئَ من الرّوحِ القدس".
18 وفي الحالِ تساقطَ من عيني شاولَ ما يشبهُ القشور، فعادَ يُبصر. وقامَ فٱعتمد.
19 ثم تناولَ طعامًا، فٱستعادَ قواه. وبقيَ بضعةَ أيّامٍ معَ التّلاميذِ في دمشق.
شرح آيات الرّسالة:
1-19 دعوة بولس: يروي لوقا دعوة شاول، في أعمال الرّسل، ثلاث مرّات: هنا، وفي خطبتَي بولس (22/3-21؛ 26/9-20)، دلالة على أهميّة هٰذا الحدث في تاريخ الكنيسة الأولى. تتّفق الرّوايات الثّلاث في العناصر الأساسيّة التّالية: على طريق دمشق – نور من السّماء – سقوط على الأرض – سماع صوت يقول: شاول، شاول، لِمَ تضطهدني؟ – من أنت، يا ربّ؟ – أنا يسوع، ذاك الّذي تضطهده أنت! – قم – رسالة إلى الأمم. وتختلف الرّوايات في الأمور التّالية: دور حننيّا طويل في الرّواية الأولى، مختصر في الثّانية، غير مذكور في الثّالثة – قبل بولس الرّسالة إلى الأمم من حننيّا، في دمشق، في الرّواية الأولى، ومن المسيح، في هيكل أورشليم، في الثّانية، ومن المسيح، على طريق دمشق، في الثّالثة – يسقط بولس، دون رفاقه، على الأرض، في الرّواية الأولى والثّانية، ويسقطون معًا في الثّالثة – يسمع رفاق بولس الصّوت، ولا يَرون المتكلّم، في الرّواية الأولى، ويرَون النّور، دون أن يسمعوا الصّوت، في الثّانية – يضع لوقا مثلًا يونانيًّا، لا آراميًّا، على لسان يسوع في الرّواية الثّالثة. ويروي بولس نفسه دعوته ( 1 قور 15/8-11؛ غل 1/12-20)، غير أنّه لا يصف الحدث، بل يشدّد على أنّه رأى المسيح، كما رآه بطرس والرّسل بعد قيامته، فهو مثلهم رسول المسيح. أمّا غاية لوقا، كما تظهر في الرّوايات الثّلاث، فهي، أوّلًا: أنّ المسيح الحيّ الحاضر في الكنيسة هو الّذي قَلَب حياة بولس رأسًا على عَقِب. ثانيًا: أنّ رسالة بولس إلى الأمم تمّت بتدخّل الرّبّ يسوع. ثالثًا: أنّ رسالة بولس إلى الأمم، وإيمان الأمم بيسوع، تحقيق لتصميم الله الخلاصيّ، الّذي وعد به الله في العهد القديم. كانت دعوة بولس على الأرجح سنة 36، حوالى 14 سنة قبل ٱنعقاد المجمع الرّسوليّ الأوَّل في أورشليم سنة 49 (غل 2/1؛ رسل 15).
1-2 رسل 9/14؛ 22/5؛ 8/3؛ 28/21؛ 1 مك 15/15-24.
1 رسل 8/3؛ 9/13.
2 الطّريقة: حرفيًّا "الطّريق". وتعني النَّهج الجديد، الّذي عاشه المسيحيّون الأوَّلون. ويتفرّد لوقا بٱستعمال هٰذه الكلمة، بهٰذا المعنى، في أعمال الرّسل (18/25، 26؛ 19/9، 23؛ 22/4؛ 24/14، 22).
مجامع دمشق: تركت السّلطة الرّومانيّة لعظيم الأحبار سلطانًا مباشرًا على جميع اليهود، حتّى على الّذين كانوا خارج فلسطين (1 مك 15/21).
3 رسل 22/6؛ 1 قور 9/1؛ 15/8.
4 غل 1/12، 15.
شاول: هو اﮕسم العبريّ للقدّيس بولس. ٱعتاد اليهود، في الشّتات، أن يحصلوا لأولادهم على هويّة مواطن رومانيّ، فيعطوهم ٱسمًا لاتينيًّا بالإضافة إلى ٱسمهم العبريّ. بولس هو اﮕسم اللّاتينيّ. وتضيف مخطوطات إلى هٰذه الآية: "لَصعب عليك أن ترفس المهماز" (26/14).
5 1 قور 15/8؛ لو 10/16.
تضطهده: يتألّم يسوع إذا ما ٱضطُهِد تلاميذه، كأنّه وتلاميذه شخص واحد (متّى 10/40؛ 25/40، 45؛ لو 9/48؛ 10/16؛ يو 13/20). بهٰذه الآية ٱختصر لوقا كلّ مفهوم بولس لكنيسة المسيح!
10 تك 22/1؛ 31/11؛ 46/2؛ خر 3/4؛ 1 صم 3/4.
12 رسل 21/39.
15 روم 1/5؛ رسل 26/1؛ 27/24؛ إر 50/25؛ 1/10.
16 2 قور 11/23-28؛ 1 قور 4/9-13؛ رسل 15/26؛ 21/13؛ 5/41 متّى 10/22
يتألّم: الألم نصيب الرّسول كما كان نصيب يسوع مُرسلِه (رسل 3/18؛ 17/3؛ لو 24/26، 46). يرى بولس في الألم واجب كلّ من يخدم البشارة (1 قور 4/9-13؛ 2 قور 1/5-7؛ فل 1/29-30؛ 3/10؛ قول 1/24)، ويرى فيه طريق المؤمنين إلى الملكوت (رسل 14/22).
17 رسل 22/14؛ 26/16؛1 قور 9/1؛ 13/31؛15/8.
تمتلئ من الرّوح القدس: تعبير مألوف لدى لوقا (لو 1/15، 41، 67؛ رسل 2/4؛ 4/8، 31؛ 9/17؛ 13/9).
18 طو 11/10-15؛ رسل 1/5.
تساقط: يذكّر هٰذا التّعبير بطوبيّا البارّ (11/12).
20 غل 1/16-17.
تناول طعامًا: إشارة إلى الآية 9، وقد يكون إشارة إلى تناول الإفخرستيّا (2/46). وصلة العماد بالإفخرستيّا قديمة واضحة (1 قور 10/2-4؛ 1 يو 5/6؛ يو 19/34).
ٱستعاد قواه: هي قوّة الرّوح القدس أيضًا، والنَّشاط الرَّسوليّ الّذي ٱستمدّه بولس من العماد والقربان الأقدس (9/20، 22).
الإنجيل
متّى 11: 25-30
أسرار الله تُكشَف للبسطاء
25 في ذٰلكَ الوقت أجابَ يسوع وقال: "أعترفُ لكَ، يا أبتِ، ربَّ السَّماء والأرض، لأنَّكَ أخفَيتَ هٰذه الأمور عن الحُكماء والفُهماء، وأظهَرْتَها للأطفال!
26 نَعْم، أيُّها الآب، لأنَّكَ هٰكذا ٱرتضيت!
27 لقد سلَّمَني أبي كلُّ شيء، فَمَا من أحدٍ يعرفُ اﮕبنَ إلّا الآب، وما من أحدٍ يعرفُ الآب إلّا اﮕبن، ومَن يُريدُ اﮕبنُ أن يُظهرهُ لهُ.
تعالَوا إليَّ
28 تعالَوا إليَّ يا جميع المُتعبين والمُثقلين بالأحمال، وأنا أُريحُكُم.
29 إحمِلوا نيري عليكم، وكونوا لي تلاميذ، لأنّي وديعٌ ومتواضعُ القلب، فتَجدوا راحةً لنفوسكم.
30 أجَل، إنّ نيري ليِّن، وحِملي خفيف!".
شرح آيات الإنجيل:
25-26 أظهرتها للأطفال: تذكّر صلاة يسوع بصلاة دانيال (2/20-23)، الّذي حمد الله، بأسلوب رؤيويّ، لأنّه حجب عن حكماء بابل مغزى حلم نبوكد نصّر (2/3-13)، وكشفه له (2/18-19، 28)، أعطاه الحكمة (2/23) فرأى سرّ الملكوت الجديد الأبديّ، الّذي تحقّق في شخص يسوع. الحكماء هنا هم الفرّيسيّون وعلماء اليهود، والأطفال هم تلاميذ يسوع (10/42).
27 متّى 28/18؛ يو 3/35؛ 13/3؛ 17/2؛ فل 2/9؛ يو 1/18؛ 10/15؛ 3/11؛ حك 2/13.
الآب وابن: هٰذه الآية إحدى آيات ثلاث (21/37؛ 24/36) يعبّر فيها يسوع عن صلته البنويّة الفريدة بأبيه (مر 14/36؛ لو 2/49؛ 24/46؛ يو 20/17). يتّفق متّى ويوحنّا في ثلاث: في أنّ الآب آتى يسوع كلّ شيء (يو 3/35؛ 13/3)، وفي ٱستعمال "ابن" في المطلق ليسوع (يو 5/19-26؛ مر 13/32)، وفي المعرفة المتبادلة بين الآب واﮕبن (يو 10/14-15؛ 17/25). هٰذا التّشابه بين الإزائيّين ويوحنّا دليل على طابعه الأصيل، وشهادة على إيمان الجماعة الأولى بألوهة يسوع.
28 سي 24/19؛ إر 31/25؛ مز 23/2-3.
28-30 تعالوا إليّ: يتفرّد متى بهٰذا النّص، والنّص ذو طابع حكميّ (مثل9/5؛ سي24/119؛ 6/19-28؛ 51/23-27)، وضدّ الفرّيسيّين.
28 المثقلين: ثقل التّوراة، وقد أثقله الفرّيسيّون بشروحهم القاسية، فوهى النّاس في حمله وتعبوا.
29 إر 6/16؛ هو 10/11؛ إر 2/20؛ 5/5؛ غل 5/1؛ رسل 15/10.
النّير: تعبير كتابيّ (إر 2/20؛ 5/5؛ هو 10/11) يعني شريعة الله (سي 6/24-30)، قد تثقل هٰذه الشّريعة أحيانا، ولٰكنّها تُسعد حاملها (سي 51/34-35؛ مرا 3/27). ٱفتتح يسوع خطبة الجبل بالتّطويبات (5-7)، ويعد هنا بالرّاحة لمن يحمل شريعته الجديدة:
لأنّي وديع: أيّ نقيض الفرّيسيّين القساة.
31 1 يو 5/3؛ تث 30/11.
نيري وحملي: يقسو الفرّيسيّ في ما يفرض على النّاس، ويتعالى. أمّا يسوع فيرفق، ويتواضع، فينعم نيره ويخفّ.
للعلم والخبر، للأمانة والدّقة، نعلن ما يلي:
مرجع القراءة: (صلاة الشّحيمة الزّمن العاديّ جامعة الرّوح القدس – الكسليك 1982).
نصّيِ الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، التّرجمة اللّيتورجيّة، إعداد اللّجنة الكتابيّة، التّابعة للجنة الشّؤون اللّيتورجيّة البطريركيّة المارونيّة. طبعة ثانية منقّحة – 2007).
مرجع شرح آيات الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، كليّة اللّاهوت الحبريّة جامعة الرّوح القدس – الكسليك 1992).
نقله: فلّاح بكرم الرّبّ.