لم يخطر ببال "حزب الله" وقيادته السياسية والأمنية والعسكرية أن مارد السلاح الذي تربى وترعرع في رحابه، وتدلّل في أحضانه يمكن أن يفلت من قبضته وأن يخرج عن طوره وإرادته في يوم من الأيام.. وأن يدفع بأهل الضاحية الى الاستغاثة طلباً لاستراتيجية دفاعية في وجه فلتان مسلّح لا مثيل له.
هذا الواقع يترجم الآن يومياً في ضاحية بيروت الجنوبية التي كانت ولا تزال معقل الحزب ومربعه الأمني الأول، والذي كان دائماً في رأي قيادة المقاومة عصياً على الإختراق أو التمرّد. كيف لا وهو الذي جعل من نفسه مرجعية المجموعات المسلّحة المتحاربة في أحياء الضاحية وشوارعها وأزقتها، خصوصاً أنه هو من سلحّها ودربّها وموّلها وأحياناً كثيرة إستخدمها في مهمات محددة.
وأظهرت الإشتباكات المسلّحة شبه اليومية في شوارع الضاحية وزواريبها والتي تحصد أعداداً ليست بقليلة من الضحايا، أن "حزب الله" لم يعد ضابط الإيقاع والممسك بأمن مناطق نفوذه، وبدأ يكتشف بنفسه هذه الحقيقة في أكثر من زمان ومكان، خصوصاً عندما ترتدي الإشتباكات طابع معركة كسر العظم بين العائلات التي تدين بالولاء له، وهو ما حوّله من الآمر الناهي الذي لا رادّ لحكمه الى قاضي صلح بين متحاربين.. كما عندما تستشري مظاهر التفلت وتجارة المخدرات وتعاطيها.
لكن ما بين هذا وذاك هو أن رقعة النقمة على الحزب واسلوبه وحمايته للمسلحين آخذة بالتمدد في كل مساحة الضاحية، التي فقد سكانها الأمن والأمان وباتت حياتهم تحت رحمة السلاح المتمرّد على مرجعيته، وباتوا أكثر قلقاً على مصير أبنائهم المرشحين لأن يكونوا ضحايا نزوات المحازبين والتابعين.
الخطير في الأمر أن الفلتان الأمني ليس محصوراً بمسلحي العائلات الذين يروعون الآمنين في الضاحية، بل إن ذراعه إمتدت الى ما هو أبعد. فهذا الجمهور المحازب بات متحكماً بمصير "مطار رفيق الحريري الدولي" فحوّله الى رهينة، كما حوّل المسافرين أو القادمين الى لبنان عبره الى أسرى، بفعل قطع كل الطرقات المؤدية إليه تارة من المحتجين على غياب التيار الكهربائي، وتارة أخرى من قبل ذوي المخطوفين اللبنانيين الـ11 في سوريا، وتارة أخرى إعتراضاً على توقيف مطلوب للعدالة هنا أو هناك.
وإذا كانت معظم الإحتجاجات تكتسب الطابع المطلبي فإن السواد الأعظم من منظميها هم من جمهور "حزب الله" المنتفض عليه، بإعتبار أن النقمة على الحكومة تعني أنها نقمة على صاحب القرار المطلق فيها أي "حزب الله"، الذي لم يكتف بالوقوف عاجزاً عن إقناع جمهوره بأنه غير مسؤول عن الأزمة التي وصلت اليها البلاد إقتصادياً وحياتياً وكهربائياً وبيئياً، عدا عن الفلتان الأمني الذي لم تسلم منه الضاحية المحصّنة. إنما تحوّل الى محامي دفاع عن حليفه التيار العوني الذي أغرق لبنان في ظلمة لم يسبق أن عاشها من قبل. والغريب في الأمر أن هذا الجمهور الحزبي لم يكتف بعزل المطار عن البلد، إنما جعل من ظاهرة قطع الطرق المؤدية عملاً تجارياً مربحاً، فالذين قطعوا طريق المطار يوم الإثنين الماضي في الإتجاهين، لم يكتفوا بإذلال المسافرين وتحويلهم الى رهائن في الطرقات، إنما عمدوا الى إستغلال حاجة البعض الملحّة للوصول الى المطار سريعاً بداعي التأخر عن الرحلة أم بداعي المرض، وتقاضي مبلغ 50 دولاراً عن كل شخص لإيصاله إما عبر الموتوسيكل وإما بسيارات يملكها المحتجون الذي يفتحون لها الطريق ومن ثمّ يقفلونها في مشهد دفع بوزير الداخلية والبلديات مروان شربل الى القول "إن ما حصل لهذه الناحية معيب للبنان واللبنانيين".
وإذا كان "حزب الله" يعتبر نفسه بمنأى عن المسؤولية حيال التفلت الأمني في الضاحية كما على طريق المطار وغيرها، ويلقي بمسؤولية الأمن على الدولة، فإن المواطنين على الأرض لديهم رأي آخر، فالحاجة "أم محمود" التي تقيم في منطقة المعمورة، ترى أن الحزب "أوصلنا الى أسوأ ما وصلنا اليه في زمن الميليشيات والحرب. وتقول لـ"المستقبل"، "ما عدنا نعرف إن كنا يعيش في منطقة سكنية أو في جبهة عسكرية. كل يوم نقع في قلب معركة بين مسلحين لا نعرف كيف وصلوا الى المنطقة". أما أبو مصطفى نزال فيسأل "من المسؤول عن الأمن في الضاحية غير حزب الله؟. من أين جاء المسلحون بكل ذلك السلاح؟ من يستطيع ادخال خرطوشة الى الضاحية غير الحزب؟، لماذا لا تجرؤ الدولة على الدخول الى أي منطقة في الضاحية الا بإذن من الحزب؟، بدنا نخلص بقى .. بدنا نعيش بامن وكرامة لمرة أخيرة وتتسلم الدولة المسؤولية. مش الحزب الذي لا يهمه من عاش ومن مات".
ولا تخفي سميرة المقيمة في الغبيرة قلقها على أولادها، فهي تؤكد أن "لبنان لن يصير دولة.. فيه 100 دويلة و100 جيش، ومسلحون أكثر من عدد الجيش والدرك". وقالت "ليتنا نتمكن من مغادرة هذا البلد الذي لم يعد فيه مستقبل لأحد. لا أريد لأولادي أن يعيشوا في هذا الجو وبين مسلّحين.أخاف أن أخسرهم".
أما في المشهد الأقرب الى الضاحية ـ اي طريق المطار، فتصف فريدة شحادة ما شاهدته بالـ"مرعب"، وتقول "ذهبت بسيارتي لإيصال إبنتي الى المطار لتسافر الى الإمارات، ففوجئنا بقطع الطريق. كادت الطائرة أن تقلع ونحن نتوسلهم (قاطعي الطريق) ولم يكن لدى أحد منهم الرحمة، كان البعض ينظر الينا بما يشبه الحقد ولا نعرف لماذا، قال لي أحدهم "خليهن يفلتوا المخطوفين وبتمرقو". وأضافت "ونحن في وطأة الشمس الحارقة تقدم أحدهم وسأل إبنتي "بتدفعي 50 دولاراً وبنوصلك عالمطار"، ظننته يهزأ، لكن تبيّن أن لديه سيارة وبالفعل شاهدنا المسافرين يترجلون من سياراتهم ويستقلون سيارات لهؤلاء تشرّع أمامها الطريق ثم تقفل من جديد". وتسأل فريدة "ما ذنب الناس؟ ومن هو المسؤول عن هؤلاء؟ اليس حزب الله وحركة أمل؟ هل من أحد غير هؤلاء يتحكم بطريق المطار وأمنها ويرعب الناس عليها؟".
وإذا كان ما قاله هؤلاء هو عيّنة عمّا يقوله الآلاف ممن لا تصل أصواتهم الى آذان المسؤولين عن هذا الواقع، فإن ذلك يطرح أسئلة عن المنحى الذي أوصل "حزب الله" البلد اليه، وما إذا كان سيقتنع يوماً بأن المكابرة لن تورثه الا النقمة التي قد توصل الناس الى حافة الإنفجار.
