كتبت هلا صغبيني في صحيفة "المستقبل":
إنها مسرحية هزلية بامتياز، تلك التي كان بطلها أمس رئيس لجنة المال والموازنة النيابية النائب ابراهيم كنعان، فشل فيها في تحقيق مراده ومراد رئيس تكتل "التغيير والإصلاح" النائب ميشال عون، في التعمية على الخطأ الكبير الذي أقرّ بأنه أوقع فيه جنراله عندما "أسرّ" له (وهو أمين سر تياره) أرقاماً مضخمة عن "الهبات الضائعة" بقيمة 6,5 مليارات دولار فيما الرقم الحقيقي لا يتعدى الـ2,6 مليار دولار.
فكنعان، الذي حاول دون جدوى، التغطية على الإخفاقات المتكررة لـ"التيار الوطني الحر" في الملفات التي يتسلمها منذ سنوات، لا سيما فضائح الكهرباء والخدمات الرديئة للاتصالات، أطلق توصيفات عدة على نواب "تيار المستقبل" مثل إنهم "عباقرة" و"الماركيز" و"الكونت"، فيما كان واضحاً لمَن شاهد مؤتمره الصحافي من الرابية أنه كان أشبه بـ"دالوز" (وتعني المرجعية القانونية) القانون الذي لم يملّ منه المشاهد فقط، إنما جنراله أيضاً الذي كان جالساً بين الصحافيين بدليل أنه تثاءب مرات عدة.
حاول كنعان تسخيف الخطأ الذي أوقع جنرال الرابية في فخ "حساب الدكاكين" بين الملايين والمليارات، وهو ما كانت كشفته "المستقبل". "خطأ مطبعي" يقول كنعان عن الفرق في الهبة المخصصة لوزارة الطاقة الواردة في تقرير وزارة المالية الى لجنة المال والموازنة النيابية تحت عنوان "النتائج النهائية لعملية التدقيق المتعلقة بحساب الهبات والتبرعات"، بأنها تبلغ 3,9 مليارات دولار فيما الصحيح 3,9 ملايين دولار. لكن هذا "الخطأ المطبعي" لم يقدم حجة وافية للمشاهد لعذر الجنرال عون على خطئه. ورغم إقراره بحصول خطأ، إلا أنه بقي مصرّاً على أن قيمة "الهبات الضائعة" هي 5 مليارات دولار (قبل أن يكتشف العماد عون 1،5 مليار دولار جديدة ليصبح المبلغ 6,5 مليارات دولار).
ولمن لا يدري، فإن المستفيدين من هذه الهبات هم 22 وزارة، واليوم يمسك "التيار الوطني الحر" بعشر وزارات، فلِمَ لم يطلب من وزرائها التدقيق في هذه الهبات؟
في ما يتعلق بالهبات العينية، يقول كنعان إن "قيمتها تقدّر بأكثر من عشرة مليارات دولار أميركي، من دون أن تظهر قيودها في أي محاسبة، ولا سيما في محاسبة المواد التي يجب مسكها وفقاً للأصول". لكن لا توجد قوانين خاصة لهذا النوع من الهبات، علماً أنه كان الأجدى بالتيار أن يسأل عن الهبات العينية التي أفاد منها مباشرة "حزب الله" بعد عدوان تموز 2006 من إيران التي كانت ترفض أن يكون للحكومة اللبنانية دور فيها.
أما في ما يتعلق بقيد الهبات في حساب الخزينة، فيرفض كنعان تضمن موازنة العام 2012 للمادة 8 التي ترافق الموازنات في الأعوام الماضية، والتي تخرج الهبات والقروض من كنف القوانين اللبنانية، والرقابة اللبنانية. علماً أن هذه المادة واردة في قانون موازنة العام 2005 (وهو قانون يحتاج الى قانون آخر لإبطاله) وفي مشاريع الموازنات للسنوات اللاحقة، وهي مادة حصلت على الإجماع عندما كان مشروع موازنة العام 2010 يُناقش في مجلس الوزراء الذي كان تياره ممثلاً فيه. وهو يستهدف إظهار الحكومات السابقة وكأنها قامت بمخالفات قانونية لجهة عدم قيد العديد من الهبات في حساب الخزينة. بينما الواقع هو أن تلك الحكومات التزمت بما نصت عليه القوانين وخصوصاً قوانين الموازنات والقوانين الخاصة بالمؤسسات العامة وبعض الإدارات المستقلة.
ولا بد أن نذكّر بأن الإدارات الوحيدة التي رفض وزراؤها قفل حساباتها في مصارف خاصة وإيداع المبالغ في مصرف لبنان، هي مؤسسة كهرباء لبنان ووزراة الاتصالات، وذلك رغم الكتب المتكررة التي أرسلتها وزارة المالية في هذا الخصوص.
كذلك، يقول كنعان إنه كان يجب تحييد الملف المالي عن المهاترات السياسية، في حين أن تياره حمل لواء هذا الملف لأغراض شعبوية.
وقد استعاد كنعان استخدام عبارة "الإدارة الرديفة" على من حضر تقرير "النتائج النهائية للهبات" الذي أعدته لجنة تدقيق خاصة كان ألّفها المدير العام للمالية ألان بيفاني.
وفي إطار محاولات التعمية، أعاد كنعان الى الطاولة ملف الحسابات مستعيناً بتقرير لديوان المحاسبة يكفي عنوانه ليضرب صدقية كنعان وتياره. فالتقرير يحمل عنوان "قطوعات حسابات الموازنة العامة والموازنات الملحقة للأعوام 2008 ـ 2009 ـ 2010"، أي أنه يتحدث عن قطوعات حسابات أرسلها وزير المالية الحالي محمد الصفدي وليس وزراء المالية السابقين.
أما في شأن إشارته الى "تسوية" في شأن مرسوم الـ8900 مليار ليرة، غامزاً من قناة "المستقبل" في ذلك، فيبدو أن كنعان قد أخطأ بين مشروع القانون الذي رفعه الصفدي الى مجلس الوزراء وبين اقتراح القانون المعجل الذي تقدم به النائبان غازي يوسف وجمال الجراح الى الهيئة العامة لمجلس النواب والذي ينص صراحة على عدم السماح بإجراء أي تسوية وإجراء تدقيق شامل.
أما في موضوع التقرير الصادر عن خبراء في البنك الدولي عن مركز المعلوماتية في وزارة المالية وأنه يمكن التلاعب بالأرقام، فيجدر التذكير هنا بأن تعديل أو إضافة أو حذف أي من المعلومات في الأنظمة الخاصة بالمعلومات أو قيودها المحاسبية، بعد ترحيلها وإقفالها، لا يتم إلا وفق آلية محددة وبموجب طلبات موثقة وخطية من قبل معد تلك العمليات ومعللاً سبب التعديل، وبعد أخذ موافقة رؤسائه التسلسليين عبر الإحالات وفق التسلسل الإداري. أما بعد إقفال السنة المالية، فإنه لا يمكن إجراء أي إضافة أو حذف أو تعديل إلا بموافقة وزير المالية. وهذا التدبير، والمعمول به منذ سنوات، قد تم وضعه في نصوص إدارية وافق عليها ديوان المحاسبة برأيه الإستشاري الرقم 27/2011 تاريخ 10/2/2011 وعممت من قبل وزيرة المالية ريا الحسن للإلتزام بها.
علماً أن تلك الضوابط قد تمت الإشارة إليها والاعتراف بها في كتاب الصفدي الموجه إلى ديوان المحاسبة تحت الرقم 3038/ص1 تاريخ 11 تشرين الأول 2011، والمزيل بتأشيرة المدير العام، والذي يطلب بموجبه "استثنائياً عدم إجراء تدقيق مستندي شامل"، معللاً من ضمن الأسباب أو الموجبات لكتابه هذا، بما نصه: "أضف إلى أن نظام الضبط الداخلي في وزارة المالية لا يجيز إجراء قيود في الحسابات من دون مستند مؤيد لها، كما وأن التدقيق المستندي الذي حصل على عمليات الأعوام 2001 و2004 و2005 و2006 و2007 و2011 لم يظهر قيوداً دون مستندات".
لكن يبدو واضحاً أن الهدف من التشكيك في أنظمة المعلوماتية المعتمدة في وزارة المالية، يأتي من ضمن سياق سياسي يهدف إلى تهشيم ما قامت به الوزارة من إنجازات في السنوات الماضية في ظل وزراء المالية المتعاقبين، ومحاولة لاتهام الوزراء المتعاقبين