عشيّة عودة "الحوار البيزنطي" إلى طاولة قصر بعبدا، قد يكون مفيداً الجهر بهذه الحقيقة:
لا لم يكن يوماً الرأي العام المسيحي العريض مع المقاومة العسكرية في الجنوب. لا قبل التحرير العام 2000 ولا بعده. لا قبل اجتياح العام 1982 ولا بعده. لا يوم كان الجنوب تحت سيطرة الفلسطينيين، ولا يوم سلّم الرئيس حافظ الاسد ورقة الجنوب لإيران و"حزب الله".
بعض السياسيّين المسيحيّين يشبه جحا. يطلق الكذبة ويصدّقها. المشكلة أنّ "حزب الله" يعرف، والمسيحيّون يعرفون أنّ هؤلاء السياسيّين يكذبون أو يزايدون أو يتملّقون.
أقصى ما وصل اليه الرأي العام المسيحي العريض، احترام هؤلاء الشبّان الصادقين في قتال اسرائيل، وتقديرهم. حتى هذا الاحترام وذاك التقدير كانا يزعجان أولئك الشبّان وقادتهم، إذا ما قورن نضالهم بنضال المقاومين المسيحيّين للنظام السوري!
أعتقد أنّ الحوار في جوهر المشكلة قد يكون أجدى من دفن رأس النعامة في الرمال. في المختصر المفيد، موقف الرأي العام المسيحي من الصراع مع اسرائيل هو الآتي: يرى المسيحيّون انّ اسرائيل كيان غاصب وظالم وليس له ايّ مبرّر انساني او ديني او سياسي. ويرى المسيحيّون ايضاً أنّ العرب سلكوا كلّ الطرق الخاطئة في المعركة مع اسرائيل، فدفع لبنان وشعوب الدول العربية ثمناً باهظاً.
ميشال شيحا المسيحي حذّر من خطر إسرائيل من منطلق مختلف جذرياً عن المنطلق العربي والإسلامي الذي ساد في تلك الأيّام. المسألة في نظر شيحا، أخلاقية وإنسانية واقتصادية.
أمّا الرأي العام العربي والاسلامي فتصرّف بمنطق الغزو. ففي الوجدان العميق ما حصل هو أنّ اليهود الذين طردهم الإسلام من جزيرة العرب، عادوا من بوّابة بلاد الشام، لينتقموا من العرب والمسلمين ويحطّوا من قدرهم. بالمنطق الديني أدار العرب معركتهم، وادار اليهود قضيتهم الدينية بمنطق السياسة ومتطلّباتها.
أمثلة على ذلك. من منطلق المفهوم الديني المكبّل "بالمطلق" ما كان يجب ان يقبل "اليهود" بتسوية التقسيم بين دولتين يهوديّة وفلسطينية، لكنّهم قبلوا من منطلق سياسي قد يكون في طيّاته، توقّعهم أنّ المنطق الديني الإسلامي سيتولّى هو رفض تلك التسوية.
المسيحيّون كانوا يريدون مصارعة اسرائيل بالأدوات عينها التي استعملتها اسرائيل. قوّة سياسية مستمدّة من حرّية الشعب، تؤدّي الى قوّة اقتصادية وثقافية، تؤدّي الى قدرة تأثير دولية. التفوّق العسكري عند الصهاينة جاء نتيجة.
العرب قفزوا إلى النتائج، وأرادوا الحصاد وهم لم يزرعوا أرضهم الجدباء. لم يزرعوا نبتة جديدة وجدت يوماً اسمها منطق الدولة القائم على حرّية الفكر، وتعب التنمية الاقتصادية، والمحاسبة عبر الانتخابات.
حتى بعدما سيطرت الديكتاتوريات العربية، لم تتأثر تلك الديكتاتوريات بواقعيّة حلفائها من الديكتاتوريات الدولية. فيديل كاسترو غير المشكوك في عدائه للولايات المتحدة، لم يرسل صاروخاً إلى غوانتنامو، وهي قطعة أرض أميركية على الجزيرة الكوبية حتى اليوم.
ولم يطالب الاتّحاد السوفياتي بولاية ألالسكا التي باعها القياصرة الروس من واشنطن بثمن بخس! وصبرت صين ماو تسي تونغ نحو مئة عام قبل ان تستردّ هونغ كونغ. لم يشنّ ماو المشهور بحرب العصابات أيّ مقاومة عسكرية. اليوم هونغ كونغ عادت الى الصين، وحافظ أسلاف ماو على نظامها الديموقراطي البريطاني. الصين معروفة اليوم بأنّها "دولة بنظامين".
لا يزال لواء الإسكندرون على خريطة سوريا، لكنّه اليوم ضمن أراضي تركيا. لواء الإسكندرون، أكبر من الجولان ومن مزارع شبعا مجتمعين، وفيه حاضرة عزيزة على وجدان الموارنة والأرثوذكس في لبنان وسوريا، اسمها انطاكية. أفهم أن ينسى آل الأسد "الممانعين" هذا "اللواء السليب"، ولكن كيف ينسى ميشال عون انطاكية؟ انطاكية أهمّ من براد.
كلّ هؤلاء الزعماء من ماو إلى كاسترو إلى حافظ الأسد، لم يخوضوا حروب مقاومة لأنّها في ميزان المصالح والقوى والمنطق، كانت لتكون معارك خاسرة. وهذا هو السبب العميق لفتور حماسة المسيحيّين للمقاومة العسكرية ضدّ إسرائيل. لم يقبلوا بخوض معركة خاسرة سلفاً، لكن الانظمة الاستبدادية العربية والمنظمات الدينية اللبنانية، لها رأي آخر.
في تموز العام 2006، تُدمَّر الضاحية الجنوبية، وقرى جنوبية، ويُقتل آلاف الأشخاص، وعلى رغم ذلك يعتبر "حزب الله" أنّه المنتصر، لأنّ اسرائيل اعترفت انّها لم تحقّق هدفها. لقد استعمل "حزب الله" حرب تمّوز لينتصر، ولكن على اللبنانيّين.
انتصر "حزب الله" لكن كلّما انطلق صاروخ من الجنوب نحو اسرائيل يسارع الى نفي أيّ علاقة له بهذا الصاروخ. انتصر "حزب الله"، بعدما سقط مئات القتلى وخرب الجنوب ودمّرت الضاحية، لكنّه لم يعد يجرؤ على إطلاق رصاصة نحو بوّابة فاطمة أو مزارع شبعا.
لا، لا يؤخذ الرأي العام المسيحي، بهذه الغوغائية. وصوته فوق صوت "المقاومة"، والمعارك العبثية. الصحافة الحرّة والمعارضة في بريطانيا ظلّتا "تنكّدان" على تشرشل إبّان قيادته المعركة ضدّ هتلر ولم يفكّر تشرشل مرّة في أنّهما "عميلتان" للنازية. أين أنتم من تشرشل؟ نفتح جرحاً لم يلتئم بعد إذا أوردنا النعوت التي أُطلِقت وتُطلق على الرأي العام المسيحي المعارض لطريقة الصراع الحاليّة مع إسرائيل. كم تبدو هذه الكلمات بعيدة من التذاكي الذي سيتنافس أطراف الحوار عليه.
يا ليت هنالك مَنْ يذكِّر "حزب الله" بأنّ عدد الضحايا الذين سقطوا على جبهة الجولان بعد حرب تمّوز العام 2006، يفوق عدد الجرحى والقتلى على جبهة جنوب لبنان.
وعدد الصواريخ التي تطلق من غزّة أكثر من عدد الصواريخ التي تطلق من الجنوب، ويسارع "حزب الله" إلى نفي علاقته بها! يا ليت هنالك من السياسيّين المسيحيّين الذين يحبّون جلسات الحوار مَنْ يذكِّر "حزب الله"، بأنّ الاستراتيجية الدفاعية لا تقوم على الاحتفاظ بآلاف الصواريخ، التي ولو أُطلِقت كلّها لما تغيّر شيء في ميزان القوى الأساسي. الاستراتيجية الدفاعية تقوم بحركة مطار نَشطْ، وبتنمية اقتصادية متصاعدة، وبدولة عصرية تحترمها الدول، وبممارسة أوسع نطاقاً لحرّية الفكر.
لن ننتصر ونحن لا نجرؤ على استضافة مغنّية أجنبية، لأنّها قالت "أحبّك إسرائيل".
لو جاءت كانت لتقول "بحبّك يا لبنان"، ولكانت إسرائيل على رغم ذلك، ألحّت عليها أن تكمل جولتها نحو تل أبيب، لتغنّي مع الشباب والبنات.
إذا ما تحقّقت هذه الشروط فقد لا نحتاج للصواريخ "لتقتنع" إسرائيل بحقّنا بمزارع شبعا وتلال كفرشوبا وجزء من بلدة الغجر، وربّما بالتفاوض مجدّداً في شأن القرى السبع! الربيع العربي هو خطوة على طريق الألف ميل نحو دول عربية ستكتسب مكامن القوّة الحقيقية للتغلّب على إسرائيل، فلماذا "حزب الله" ضدّ هذا الربيع؟