#dfp #adsense

حكومة اللاحكومة صنيعة السلاح ورهينة له

حجم الخط

عندما تطأ أقدام أيّ سائح مطار دولة ما تتبلور فوراً في ذهنه فكرة أوّلية عن هذه الدولة، عمّا إذا كان المواطنون فيها يتقيّدون مثلاً بأنظمة السير والتنظيم المدني وبشروط الصحّة والسلامة والنظافة العامّة.

أمّا في لبنان فبات أيّ سائح، لبنانيّاً كان أم أجنبياً، أسير رقصة الشارع وتطوّر الحركة فيه، مِن قطع للطرقات وإحراق للدواليب واعتداء على المرافق العامة وتعطيل لحركة المرور، إضافة إلى الإضرار بالصحّة والنظافة العامة. وترتفع وتيرة هذه التحرّكات لترتدي طابع المواجهات المسلّحة بين مسلّحين، بعضهم من اللبنانيين وبعضهم الآخر من غير اللبنانيين.

كما أنّ الاعتداءات على القرى الحدودية البقاعية والشمالية باتت عملية شبه يومية، حتى إنّ الدولة المعتدية وبسبب عدم وجود أيّ ردّة فعل من الدولة اللبنانية باتت تعتدي كما تشاء، فما من رادع أو حتى موقف يستنكر هذا العدوان، وبالتأكيد ليس هناك من مقاومة، لأنّ المقاومة في لبنان لا تقاوم إلّا إسرائيل، أمّا سائر الانتهاكات والاعتداءات فتبدو لها كضرب الحبيب.

وبين هذه وتلك، يُحتجَزُ الآلاف في مطار بيروت لساعات، فينتظر بعضهم رحمة تحرّكات الشارع وبعضهم الآخر يعتقد أنّ القوى الأمنية ستتدخّل وتعالج الأمر، ألم تتدخّل الدولة من رأس هرمها حتى أصغر موظف لإنقاذ ما تبقّى من أحياء في البناء الذي انهار في الأشرفية؟

نعم تدّخلت الدولة لأنّ انهيار البناء لا طابع أمنياً أو سياسياً له، وإن كان لهذا الانهيار ارتداد في السياسة حيث تزاحمت بعض القوى على تقديم المساعدة. لكنّ احتجاز آلاف المواطنين في المطار لساعات وإلغاء آلاف الحجوزات والإضرار بالموسم السياحي، فمسألة فيها نظر.

طبعاً، تأقلم المواطن مع غياب حكومة اللاحكومة عن هذه الحوادث، التي فشلت في مواجهة استحقاقات مختلفة تشمل معظم مرافق الدولة، فلا حاجة لنا بالتذكير بفشلها في استحقاق الكهرباء والمازوت والمياه وأسعار المحروقات والأوضاع المعيشية للموظفين والمتعاقدين والمياومين.

ولم تُراعِ الحكومة في تخلِّيها عن دورها النتائج السلبية اللاحقة بالقطاع السياحي برمّته، هذا على صعيد الخدمات. أمّا على صعيد الجرائم المخلّة بالأمن وبثقة المواطنين بحكومتهم فما زالت تتصاعد جرائم الاعتداء والاغتصاب والقتل والخطف والسرقات في ظلّ تأخّر صدور التحقيقات لمعرفة الأسباب الكامنة وراء هذه الجرائم، وفي ظلّ التأخير أيضاً في مباشرة محاكمة العديد من الموقوفين في حين لم يطّلع أحد على الأسباب الكامنة وراء إخلاءات السبيل، هل هي سياسيّة أم قضائيّة؟

وأمام الاستحقاقات السياسية الكبرى، هل يُعقل أن تأتي طاولة الحوار بحلّ للسلاح غير الشرعي؟ فتُنهي الحكومة التي صنعها السلاح ملفّ السلاح؟ طبعاً لا، وهذا ما يجعل هذه الحكومة رهينة السلاح الذي صنعها، فهذه الحكومة هي وحدها المخوّلة دستوراً وقانوناً استعمال القوة، لكن عوضاً عن ذلك راحت تصدر بيانات التمنّي، فتطلب من المواطنين عدم الضغط عليها بأسلوب أو بآخر!

فالحسم من قِبل هذه الحكومة لا يأتلف مع النأيِ بالنفس، وفتح طريق المطار أمرٌ فيه نظر ولنا في ذلك عبرة وعِبر، كلّ هذا وقد قال رئيس الحكومة ذات يوم "لو أنّني وجدت أنّ أسباب بقاء هذه الحكومة قد انتفت لكُنت استقلت"، وهذا صحيح في رأيه لئّلا يبقى البلد من دون حكومة، لكنّ البحث ينحصر في وجود حكومة فعلية، وإنّ كلمة فعلية كلمة كبيرة تتجاوز بمفهومها سياسة النأي بالنفس.

ففي مفهوم الحكومة الفعلية يستقيل رئيسها ووزراؤها عندما يُحتجز آلاف المواطنين لساعات في المطار، ولا تتّخذ الحكومة أيّ مبادرة لفتح الطريق. وعندما تحرم تجاذباتها الداخلية المواطنين من الكهرباء والمياه، لا بل تعاقبهم بقطع الكهرباء عنهم، وهنا أيضاً يجب أن تستقيل الحكومة، لكن يبدو أنّها اقتبست هذا الأسلوب عن دول تمرّس سادة النظام فيها على ذبح شعوبهم بعد حرمانهم أدنى مقوّمات العيش.

أمّا الاستحقاقات السياسية الكبرى من انتخابات نيابية لسنة 2013 ورئاسية لسنة 2014، فهي وفي حال بقاء الرئيس السوري في سدّة الحكم ستكون في مهبّ الريح.

فمَن يملك القدرة على التعطيل وشلّ البلاد يملك أيضاً القدرة على تعطيل استحقاقات مماثلة، فهي على أهميتها لا يمكن أن تقف عائقاً أمام مشروع الدولة البديلة لأنّها تحتاج إلى البقاء في موقع الغلبة لتنتصر على منطق الدولة، كيف لا وأصحاب مشروع الدولة البديلة يملكون ما يكفي من المبررات لاستمرار تنفيذ سياستهم.

هذا ما سيتمسّك به أرباب السلاح في المدى المنظور حتى تستعيد الدولة مقوّماتها فيزول السلاح أو يصبح بإمرة الدولة الفعلية التي يسود فيها منطق القانون لا منطق السلاح ولا منطق الدواليب.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل