#dfp #adsense

“السفير”: ميشال سليمان…سياسي وحيد بين “جنرالات” الحوار!

حجم الخط

كتب جهاد بزي في صحيفة "السفير":

لم يستعجل أحد خلع البزّة العسكرية استعجال ميشال سليمان خلعها.

العماد ميشال عون ظل يرتديها طويلاً، وما زالت مطبوعة فيه، وفي صورته. يطل بها غالباً، آمراً وناهياً، لا فرق إن كان جمهوره من المناصرين أو من الصحافيين. الكل يعود عسكراً حين يقرر «الجنرال» تذكر نجومه واعتلاء السماء. عسكر ينفذ ثم، لاحقاً، يعترض.. ومن الافضل له ألا يعترض.

الرئيس إميل لحود لم يخلع البزة العسكرية قط. بقي فيها تسع سنوات في بعبدا، وخرج من القصر بها. البدلة المدنية بدت كأنها ملبوسة فوق الاصلية العسكرية. وكانت، على الرغم من ألوانها الزاهية التي يستهويها «العماد»، تبدو عليه خضراء مرقطة، بكمين مرفوعين في عز الشتاء، وبلا أي أثر لربطة العنق. بقي لحود على ما هو عليه: سباح ماهر ومغوار بحري معتد بعضلات لا تدانيها عضلات، في الجمهورية ـ القرية اللبنانية.

هذان هما «الجنرلان» اللذان سبقا سليمان إلى السياسة. عنيدان. عابسان حتى وهما يضحكان. جازمان قاطعان يرتجلان الخطاب ويكثران من الخصوم كما يكثران من الموعظة الحسنة التي تتضمن في الغالب تهويلا من العقاب، او تلويحاً بالمكافأة، من المأذونية إلى الترقية والمكافأة.
هو بكّر في ألا يكون ثالثهما، وأجاد في إبعاد صورته عن صورتيهما. حتى في طلاته النادرة، أيام كان قائداً للجيش، عمل على أن يكون على عكس هذين السلفين. لم يصرخ في «أمر اليوم»، أو يبالغ في عبوسه كأن الحرب الآن وراء الباب. له ملامح رقيقة وابتسامة أب عصري، تشي بأنه كان ضابطاً أحبه مرؤوسوه ولاذوا به وفتحوا له قلوبهم وأسرارهم، ونفذوا أوامره بدافع الامتنان له، وليس بسبب الخوف من بطشه. وهو قاد بهم حرباً قاسية على مخيم «نهر البارد»، انتهت إلى القضاء على معظم تنظيم «فتح الاسلام»، غير أنها محت المخيم ببيوته وسنوات ذكرياته، ووضعت ناسه في كارثة ما زالت مستمرة حتى اللحظة لأن الفلسطينيين ليسوا همّ أحد من الساسة اللبنانيين.

هذه حرب ميشال سليمان الوحيدة. في غيرها لم يكن محارباً. كانت الوصفة الناجحة دائماً بالنسبة إليه هي في تحييد المؤسسة العسكرية، عن الصراعات الداخلية.

من ما قبل 8 و«14 آذار» إلى اليوم الأخير ذاته، إلى اعتصام وسط البلد (رياض الصلح)، إلى المناكفات اللبنانية اللبنانية المتنقلة من مكان إلى آخر، وصولاً إلى انفجار أيار 2008. كان البلد يتدهور بأجنحته كلها، وبسببها، بينما كان ميشال سليمان يحيّد الجيش، ونفسه، عن الصراع، حتى لم يعد هناك من لبناني آخر على مستوى البلاد يمكن القبول به رئيساً لجمهورية المتناحرين هذه غير قائد الجيش الذي لم ينتظر لحظة في توضيب كل بزاته العسكرية لمرة واحدة واخيرة، مرتدياً مدنيته، بل مفرطاً في ارتدائها.. حتى كان احياناً السياسي الوحيد بين مجموعة من «الجنرالات». وفي هذا قصور كبير لدى السياسيين في لبنان.

اختار خطاباً رسمياً في شكله الكثير من التنميق في اللغة وفي الافكار، كأنه خطاب أكاديمي، وفي مضمونه الكثير من التواضع، حيث لا ادعاء بأنه الحل لكل شيء، ولا بتر لأطراف الخصوم، على ما قال سلفه اميل لحود.

اما في تجربته في الحكم، فلم يكن لسليمان خصوم نهائيون. هذا قرار لا عودة له بالنسبة إليه. حتى الياس المر، الذي كشفت نمائم «ويكيليكس» عن إساءات شخصية له، تخطاها رئيس الجمهورية. اما المنافسة «الطبيعية» بينه وبين ميشال عون، بحكم تقاطعهما في الطائفة والرتبة والجيش وبعبدا وعمشيت ومحيطها، فلم تجعل سليمان يعلن عداء تاماً مع عون، وإن كان استهوى لعبة سباق الخيل معه انتخابياً. وهي لعبة تظلم العهد إذا اختزل بها. فمالئ الكرسي الأول إما أن يجعل من تدخله في الانتخابات نقطة تحول جذرية على مستوى اللعبة الديموقراطية في البلاد، وإما أن يكون لعبه فيها تسلية بلا طائل.. تأخذ من رصيده أكثر مما تعطيه.

والارجح أن رئيس الجمهورية قرر أن يخوض هذا اللعب بعد وقت طويل من التفكير. التحفظ الشديد سمة سليمان. هو يصغي جيداً جداً. يستشير كثرا. يأخذ منهم أوراقا وأفكارا، ثم يروح يقيس أموره بدقة وتأنٍ. يطول به الوقت حتى يتخذ قراره ويختار ما يريده. يحاول دائماً أن يرى ما هو أبعد من اليوم. قد يكسب على طريقة «إعلان بعبدا»، وقد يوغل في رؤياه حتى تسبقه الأيام، فلا يلتقط الفرصة حين تلوح له في لحظتها الملائمة.

التروي يكاد يكون هاجساً: تجنيب البلد المشاكل الكبرى، وتمرير الازمات بأقل خسائر ممكنة. هذه المعادلة هي أصلاً التي حكمت مجيئه إلى الرئاسة رجلاً بلا أي خصومات سياسية، من المجتمع الدولي الى العربي إلى ايران وسوريا إلى الداخل بتفرعاته العجائبية. وإذا أُخذ على ميشال سليمان ألا موقف له في السياسة، فإن اللاموقف هو قرار له مناصرون أبرزهم نجيب ميقاتي الذي يكاد يشكل مع سليمان ثنائياً في عهد عدم الانحياز الذي نعيش في هدنته الطويلة هذه الايام.

التروي، على أي حال، أوصل سليمان إلى قيادة الجيش، بضوء أخضر سوري، ومنها إلى رئاسة الجمهورية، بأضواء كثيرة. وبالتروي ينقب الرئيس غير الممسوس بصورة أحد من سابقيه، وفؤاد شهاب من ضمنهم، عن بصمة لعهده.

تجنيب البلاد المشاكل هو حد أدنى، وقد ذكّر سليمان قبل فترة بالانجازات التي تحققت مذ وصل إلى الحكم. هذا ليس كافياً.. كيف سيتذكر اللبنانيون الرئيس ميشال سليمان، وبماذا يتذكرونه؟ اللائحة حتى اللحظة، فيها الكثير من النقاط التي يمكن اللبنانيين أن يحسبوها لصالح سليمان. منها وصوله الذي أوقف اندلاع الازمة وأخرج العداء بين اللبنانيين من الشارع معيدا اياه إلى السياسة. منها أيضاً، وطبعاً، التجربة الخاصة لنموذج زياد بارود والتي لم تكن لتقع، وتحصد هذا النجاح المدوي، لولا أن سليمان وثق بالناشط المدني وبالمجتمع الذي وراءه. منها أيضاً وجود سليمان ضلعاً اساسياً في مثلث العشق الصوفي الذي يجمعه بميقاتي وجنبلاط، والذي هاجسه الاول والأخير ابقاء العقل في رؤوس البلاد وتجنيبها حروب الداخل والخارج.

هذه متفرقات لا تكفي. الرئيس ما زال يبحث عما سيكتبه عنه تاريخ لبنان. لذلك هو الاكثر جدية، والتزاماً وايماناً بطاولة الحوار. يحمّلها اثقال آماله منها. وينتظر منها معجزة أخرى، تكون بمثابة تتمة للمعجزة الاولى، التي وقعت في الدوحة وجعلت منه رئيساً.

هذا الوقت، بالتحديد، ليس للمعجزات بل لتمريره بالانتظار. ومع ذلك، فميشال سليمان ما زال يبلل اصابعه بالحبر كل صباح، ويجرّب أي بصمة له ستكون الاجمل في سجل رؤساء الجمهورية، الذين لم ترحم الجمهورية أياً منهم، بل كانت دائماً وحشاً عظيماً يفترس اقدارهم وتاريخهم وانجازاتهم وحتى اجسادهم، بلا أي رأفة.. حتى يكاد الخروج من الكرسي بلا أي أضرار دائمة، هو النصر الوحيد، وربما البصمة اليتيمة الباقية.

لكن الجنرال المدني مصرٌ على الأمل، ولو كان حزيران يشي بالعكس.

المصدر:
السفير

خبر عاجل