كتب أسعد بشارة في صحيفة "الجمهورية":
لأنّ الحوار الذي سيُستكمَل اليوم لن يؤدّي كما العادة إلى أيّ نتائج، فلا بأس أن يحاول رئيس الجمهورية ضخّ بعض المقوّيات الشكلية على الطاولة.
فالمطلوب أن لا تنتهي جولات الحوار إلى إعلان فشل، خصوصاً أنّ أيّ طرف داخلي غير مستعدّ لتحمّل نتائجه. وليس المجتمع الدولي أيضاً على استعداد للتعامل مع مرحلة ما بعده، وذلك على قاعدة أنّ ما من طرف دولي أو عربي قادر الآن على إعطاء، أيّ خلل أمني قد يحصل، وقتاً أو جهداً في ظلّ الانشغال الكلّي بالملف السوري.
بناءً على ذلك، يُصبح ضرورياً بالنسبة إلى راعي الحوار، أي رئيس الجمهورية، أن يملأ الفراغ الناتج عن عدم القدرة على الكلام عن السلاح، ومقاربة المشاكل الحقيقية التي يفترض بهكذا حوار أن يتناولها، لا بل أن ينكبّ على معالجتها ولو تطلّب الأمر عقد جلسات مفتوحة وسريعة، بما يعطي انطباعاً للرأي العام بأنّ هناك نيّةً صادقةً للكلام في صلب المواضيع الخلافية، ليس على طريقة الحوار الذي لبس منذ العام 2006 لباس المناورة الظرفية.
ولكي لا يكون الحوار، كما دائماً، معلّقاً على مشجب المناورة، فليس من مانع على سبيل المثال أن يدير رئيس الجمهورية مجموعة من العوامل الشكلية والمتعلقة بجوهر الحوار التي يُمكن أن تعطي مؤشراً على الجدّية. فماذا لو قام الرئيس بتحديد موعد زمني لإنجاز الحوار، وماذا لو اعتمد خلافاً لما يريده "حزب الله"، وتيرة سريعة في تحديد الجلسات، بما يُتيح قطع الطريق على الصورة النمطية لاجتماع شهري لقوى تتصافح في كلّ مرة بشوق، وتتودّع على أمل اللقاء في القريب غير العاجل؟
وماذا لو حدّد الرئيس جدول أعمال ينطلق من المقرّرات التي لم تُنفَّذ، والمتعلقة بالسلاح الفلسطيني خارج المخيّمات وداخلها، وبسلاح السابع من أيار في الضاحية وبيروت وطرابلس، وبسلاح جبل محسن والتبّانة وعكّار؟ ماذا لو اشتمل جدول الأعمال على سحب كلّ هذا السلاح من بيروت والضاحية وطرابلس وصيدا في آن؟
وماذا لو طرح الرئيس في الجدول عينه حواراً حول السلاح الذي يُصرّ "حزب الله" على أنّه مرتبط بالمقاومة، وماذا لو دار النقاش حول إيجاد صيغة لوضع هذا السلاح بتصرّف الدولة الآن أو بعد سنة (ذلك بعد الاتّفاق على سحب السلاح الأهلي) على أن يلتزم حزب الله أن يسلّم في موعد يُتّفق عليه سلاح المقاومة إلى الجيش، فيصبح الأخير المسؤول الوحيد عن حماية التراب الوطني.
وماذا أيضاً لو تمّ الحوار حول المحكمة انطلاقاً من حتمية أنّها أصبحت أمراً واقعاً لا يمكن لا لـ"حزب الله" ولا لغيره القفز فوقه، خصوصاً بعدما موّلت حكومته المحكمة، وتعهّدت في بيانها الوزاري التزام القرارات الدولية، وبعدما عادت الجلسة السابقة لهذا الحوار لتؤكّد التزام القرارات عينها.
سيكون كلّ ذلك ما يصلح تسميته بالبداية، أمّا ما هو أقلّ، فلن يندرج إلّا في إطار تكرار مناورة خبرها الرأي العام في العام 2006 ولم يعد قادراً على تصديقها اليوم، وهذا التأجيل قد يعطي قوى 14 آذار المبرّر الشكلي لعدم الانسحاب اليوم من الحوار، لكنّها لا تستطيع أن تحوّل "الهايد بارك" السياسي إلى نقاش إنقاذي مُجدٍ، ولا حتى يمكن لها أن تكسب الرئاسة أكثر من مجرد الادّعاء بشجاعة المحاولة الأخيرة، على طريقة اللهم أشهد انّي بلغت.