#dfp #adsense

“الجمهورية”: 14 آذار تستعيد سياسة تسجيل النقاط

حجم الخط

كتب شارل جبّور في صحيفة "الجمهورية":

تدرك القوى السياسية، على اختلافها، أن المعطيات الخارجية والداخلية لا تخوّل أي فريق من طرفي النزاع، 8 و14 آذار، الفوز على الآخر بالضربة القاضية، الأمر الذي يدفع هذه القوى إلى الاكتفاء بتسجيل النقاط وتحسين شروط المواجهة وظروفها.

انطلاقاً من هذا المعيار أخطأت 14 آذار في مناسبتين: إعلانها في 13 آذار 2011 رفض الحوار إلّا على قاعدة موافقة "حزب الله" تسليم سلاحه وفق جدول زمني محدد، وإعلانها في اجتماع بيت الوسط الأخير ربط المشاركة بالحوار بإسقاط الحكومة الميقاتية وتشكيل أخرى إنقاذية حيادية.

وهذا الخطأ سببه في المناسبة الأولى إلى رد فعل عاطفي-سياسي ردّاً على إسقاط الحكومة الحريرية، في حين كان بإمكان قوى 14 آذار الاكتفاء باعتبار سلاح الحزب سلاحا ميليشياويا ونزع صفة المقاومة عنه نهائيا، خصوصا أنه كان ثمة من لا يزال يميّز بين السلاح الموجّه إلى الداخل والسلاح الموجه إلى الخارج، وهذا الموقف لا يمكن الاستهانة به كونه ينزع الشرعية العربية-السنية عن السلاح، فضلاً عن أنه شكّل عنصر مفاجأة لـ"حزب الله" الذي كان اعتقد أن إسقاط الحكومة سيدفع فريق 14 آذار إلى المساومة لا المواجهة.

وكان مردّ الخطأ، في المناسبة الثانية، إلى سوء التقدير بأنّ لحظة إسقاط الحكومة قد استوَت مع الانتفاضة السنية الشمالية على أثر توقيف شادي المولوي واستشهاد الشيخ عبد الواحد ورفيقه، في حين أن الحركة الشعبية لم ترق إلى مستوى دفع ميقاتي إلى الاستقالة في ظلّ ميزان قوى لم يتبدل، فلا النظام السوري سقط، ولا المفاوضات الدولية-الإيرانية أسفرت عن أي توجه ونتيجة، ولا "حزب الله" في وارد الاستغناء عن أداة تنفيذية تخضع لسيطرته، ولا دول الخليج والدول الغربية لديها النية والرغبة والاستعداد والجهوزية بغية التفرّغ للساحة اللبنانية.

فقواعد اللعبة واضحة: استمرار توازن الرعب إلى حين جلاء الصورة الخارجية، هذه الصورة التي تصبّ مؤدياتها في خانة 14 آذار. ومن الواضح أن كل القوى تتقاطع عند مسألة الحفاظ على الاستقرار، ولو بالحد الأدنى. وبالتالي، أكثر ما يمكن القيام به في هذه المرحلة الانتقالية هو ربط نزاع "حزب الله" ومنعه من فرض أي أمر واقع على غرار ما حصل في الشمال عبر إحباط محاولة الحزب تدجين الحالة السنية، فالمرحلة تختلف عن حقبة 7 أيار واتفاق الدوحة، وكسر قواعد اللعبة من جهة يجب أن يقابله كسر لهذه القواعد من قبل الجهة الأخرى.

ولا يبدو أن الحزب المحاصر من كل الجهات مستعد للقيام بأي عمل عسكري يتجاوز جس النبض الذي، وفي حال القيام به، يجب التعامل معه بقوة وحزم. وفي ما عدا ذلك، فإنّ الرأي العام، بمختلف تلاوينه، أقرب إلى التهدئة والاستقرار. وبالتالي، فإنّ المتاح حاليا لا يتجاوز الاستفادة من كل محطة سياسية لتظهير مساوئ المشروع الآخر وسلبياته على الدولة والاستقرار، واستمالة المواقع الوسطية لتُشَكّل وقوى 14 آذار الأكثرية الوازنة والقادرة على استعادة التوازن بين مشروعي الدولة و"حزب الله".

وفي هذا السياق بدا الحزب بين الجلسة الأولى للحوار والجلسة الثانية مربكا وتبريريا حيال قواعده التي لم "تهضم" موافقته على بند "تحييد لبنان عن المحاور والصراعات الإقليمية والدولية"، ما اضطره إلى التوضيح أن "الحياد ينتهي حُكماً عندما يتصل الأمر بصراع بين محور يحمل قضية فلسطين والمقاومة في مواجهة الاحتلال الاسرائيلي، وبين محور آخر يسير في الاتجاه المعاكس". وهذا التوضيح هو تنصّل من توقيعه عن "إعلان بعبدا"، واستخدامه مجددا اللغة الخشبية نفسها لإرضاء جمهوره.

واستباقاً لجلسة الحوار، خرج الحزب عن صمته ليؤكد أن هناك انقساما جذريا حول تعريف الاستراتيجية الدفاعية، و"أن سلاح المقاومة هو شرعي بالكامل"، و"أن البحث في مبدأ دمج المقاومة بالجيش مستحيل في ظل غياب القرار السياسي المستند الى خيارات واضحة"، و"أن المصلحة العليا تتطلب الحفاظ على التمايز بين المقاومة والجيش"، و"أن المقاومة ليست نقيضا للدولة، والتعايش بينهما نجح على مدى سنوات طويلة"، و"أن جعل سلاح المقاومة تحت الإمرة السياسية للدولة سيكون مغامرة، لأنه إذا كانت الدولة تتعثر في معالجة أزمة الكهرباء وإقرار الموازنة وتعيين رئيس مجلس القضاء الأعلى فهل يُنتظر منها ان تنجح في حماية لبنان من العدوان الاسرائيلي؟"

فالحجج التي ساقها ينطبق عليها المثل القائل "وفسّر الماء بعد الجهد بالماء"، لأنها ذرائع إنشائية ولا تستند إلى وقائع دامغة وثابتة، ولعلّ أظرفها "إذا كانت الدولة تتعثر في معالجة أزمة الكهرباء…"، متناسياً أن الحكومة حكومته وأنه القوة التعطيلية للحكومات التي سبقتها. ولكن العبرة من كل ذلك أن الحوار وضع الحزب في الموقع الدفاعي، وهذه النقطة تسجل لأخصامه عليه.

وفي موازاة حوار بعبدا، نجح مسيحيو 14 آذار في حوارهم مع البطريرك الماروني في تحييده بالحد الأدنى في ظل تقاطع مصالح بين الطرفين بإعادة وصل العلاقة عشيّة زيارة البابا، فضلاً عن أنه لا يمكن لهذا الفريق مقاطعة بطريرك ما زال في بداية عهده، علماً أن بإمكانه إعادة "القطع" عند أي اختلال في العلاقة، والجدير ذكره أن الوفد أكّد على ثوابته من الملفات الخلافية بين الجانبين.

نجحت 14 آذار، في أقل من أسبوع، في استعادة المبادرة في حواري بعبدا وبكركي، وطالما أن المرحلة لا تحتمل أكثر من ذلك، فالمطلوب المناورة ضمن حدود اللعبة.
 

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل