#dfp #adsense

“أم عساف” عيّنة من الجوع اليومي

حجم الخط

تجلس أم عساف على شرفة منزلها. الحي القديم تغيّر ورحل الكثير من سكانه، وبقيت قلّة ممن كانت تعرفهم وتعيش إلى جانبهم مر الحياة وحلوها. هي على الشرفة تحسب ما تبقّى من راتب شهري يقدّمه أولادها كمصروف لها ولزوجها، يطير الراتب وتطير المساعدات الجانبية من ابنتيها، ويطير معها ما حاولت إدخاره منذ سنوات لآخرتها، ولكن قرشها الأبيض بدأت تصرفه لأن الأيام السود تتسارع بشكل غريب لا يتوقف كأنها تعيش أسوأ مراحل حياتها.

تروي هذه المرأة النازحة تاريخياً كيف أتت في ستينيات القرن الماضي من قريتها في الجبل لتتزوج بعريسها أبو عساف وينجبا الأطفال ويعيشا الزمان كلّه بمرِّه وحلوه وجماله ومصائبه مكتفين مع أولادهما بما قل من الحياة، ولكنه القليل الجميل، تتذكر الماضي وتتحسّر على هذا الزمن الذي أكل الغلاء الرواتب والمدخرات و"المصاغ" القديم الذي قررت أن تهديه إلى حفيدتها، هي الآن كما تقول في زمن صار فيه للبنانيين حكومة تأكل أخضرهم ويابسهم وتقطع عنهم الكهرباء وتترك بين ليلة وضحاها تجار المواد الغذائية الفاسدة يسرحون ويمرحون بعدما شغل الوزراء بمراجلهم الناس. "كل عضة بغصّة هالحكومة"، كما تقول أم عساف، فهي رغم حياتها المديدة لم ترَ رفعاً لأسعار الخبز كما يحصل هذه الأيام إلاّ خلال الحرب. ألفا ليرة سعر الربطة و"الخير لقدّام".

ليست لأم عساف موارد مالية كافية في حياتها، فزوجها السبعيني لا يعمل ويتكل على ما يقدمه لهما أولادهما، ولكن منذ عام ونصف العام بدأت ترتفع أسعار المواد الغذائية والاستهلاكية، عدا عن زيادة أسعار الدواء الذي تحتاج اليه مع زوجها بشكل دائم، غلاء يطير بشكل لا يوفر أي شيء من المصروف الذي يقدمه الأولاد.

إيجار المنزل ليس مرتفعاً جداً فهو قديم، لكن تبدأ أم عساف بالعدّ، من "جرّة" الغاز إلى ثمن المياه التي انقطعت وصارت مضطرة مع جيرانها إلى الاعتماد على مياه ينقلها "الصهريج" ملوثة وغير صحية وليست صافية كما كانت تعرفها في نبع القرية أو كما كانت تصل عبر الأنابيب. أما الكهرباء فقد زادت ساعات تقنينها لتصير أكثر من 16 ساعة في اليوم حيث تسكن في ضاحية بيروت الشمالية، وصار الاتكال أكثر على اشتراك المولد الكهربائي بسبب استعمال آلة لغسل الكلى لأبو عساف خلال ساعات الليل، فيما الاشتراك يتوقف عند الثانية عشرة ليلاً، فاضطرت العائلة الى أن تشتري بقرض من البنك عدداً كبيراً من بطاريات السيارات مع UPS لتحويل الطاقة فزاد الأمر من الكلفة الشهرية وكلّفها قدراً كبيراً من المصاريف غير المرئية.

تشتري أم عساف الخضر من السوق القريب. ترتفع الاسعار بشكل جنوني. "جاط" الفتوش لم يعد أكلة يومية، وسعر "ضمة" البقدونس يعادل راتب زوجها في العام 1982. سعر الخسة يعادل الأقساط المدرسية السنوية لأطفالها خلال تلك المرحلة أيضاً، لا تصدق أن أي طبخة صغيرة تكلف أكثر من 20 دولاراً يومياً، عدا عن الفاكهة اذا اضطرت الى شرائها… تفتش في السوق عمّن تحمّله مسؤولية هذا الغلاء الذي لا يطاق فتختلف مع البائع الذي يخبرها عن ارتفاع أسعار النقل والمحروقات وأسعار المواد الكيميائية لتنمية الخضر، وجشع التجار الكبار الذين لا يجدون من يمنعهم من الاسترسال في جشعهم، فتعود إلى بيتها وتتمنى لو انها رحلت خلال الحرب إلى بلد تحترم الحكومة فيه نفسها وتدافع عن حق مواطنيها بالحياة ومنع سرقتهم.

أم عساف تستمع إلى نشرات الأخبار، فتجد أن الوضع يشبه كثيراً أيام الحرب، فالحكومة المتوالفة بحب بعضها البعض غائبة والسلاح سارح، والسرقة طالت بيت جارتها فأفرغه اللصوص من "مونة" جمعتها خلال الصيف الماضي مع بعض الأغراض الثمينة. يدخل اليأس إلى قلب أم عساف، تتحدث مع أولادها كلما زارها أحدهم عن أهمية الرحيل عن هذا البلد المفسود في كل شيء، وخصوصاً أن أحد أحفادها تناول "ساندويش" من أحد المطاعم قبل فترة واصيب بحالة تسمّم كادت أن تقضي عليه. رفعوا شكوى قضائية لكن الرجل محمي من أحد "هوامير" الوزارات، فمنع عنه التحقيق ومنع عنه إغلاق مطعمه وكاد الحفيد يدخل السجن بعد التحقيق معه بتهمة إساءة سمعة مؤسسة سياحية تدر أموالاً على البلد.

لم يعد هناك من العمر كثيراً، كما تقول أم عساف، صار الانتظار هو الطاغي على كل شيء، تنتظر الراتب من أولادها وتنتظر موعد حبوب الدواء لها ولزوجها، وتنتظر زيارات أحبتها، وتنتظر على الشرفة نسمة ربيعية في بداية الصيف، كل هذا يأتي ويحصل، لكنها لم تكن تنتظر من هذه الحكومة هذا الازدراء لحياة المواطنين وبهذا الشكل.

تتساءل المرأة عن السبب الذي حوّل البلد من ظروف مقبولة أحياناً وسيئة أحياناً أخرى إلى سيئة وبالمرة مع هذه الحكومة. تحاول أن تشتم "فلان الفلاني"، لكنها تتراجع سريعاً لأنها تعتبر أن أي كلام من هذا النوع يخرج منها سيرتد عليها، وخصوصاً مع هذا النوع من الحكومات القادرة على كل شيء إلا على حماية مواطنيها من المصائب.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل