#dfp #adsense

نخاف من محمد مرسي ام نخاف عليه؟

حجم الخط

هذا مشهد لم نعرف له مثيلاً في مصر وفي كثير غيرها من بلاد العرب، منذ استقلالها. يذهب الناس الى صناديق الاقتراع. يختارون رئيساً لا تزوّر انتخابه اجهزة المخابرات ولا قيادات الحزب الذي عيّن نفسه مؤتمناً على مصير البلد وعلى رقاب الناس. انه مشهد برسم من ما زالوا يشككون في مستقبل الربيع العربي ويسخرون من التسمية ويجادلون بأن شيئاً لم يتغير في العالم العربي منذ ذلك الحدث التاريخي الذي دشنه الشاب محمد البوعزيزي بإضرام النار في جسده في تونس.

انتخبت اكثرية المصريين مرشح «الإخوان المسلمين» رئيساً لهم. وما الضير في ذلك؟ أليس «الإخوان» جزءاً اساسياً من نسيج الشعب المصري؟ ألم تتعاطَ معهم الرئاسات المتعاقبة على مصر بازدراء واستبعاد وملاحقات وإلقاء قادتهم في السجون، بما سمح لهم بإعلان انفسهم فئة مقموعة ومحرومة وملاحَقة؟ وماذا استفاد المجتمع من تسلط القمع وانتشار الفساد في اجهزة الدولة ومؤسساتها وتحويل البلاد الى محسوبيات مسجلة باسم الحاكم وحاشيته، بحجة الحرب المفتوحة على الاسلاميين؟

اذا كان للعهد الجديد الذي تعيشه المجتمعات العربية التي مرت بها الثورات، وتلك التي لا تزال تنتظر الخلاص، اذا كان له من معنى تاريخي، فهو ذلك الامل ان شيئاً مما كان في الماضي لن يمكنه ان يتكرر. صحيح ان هؤلاء الذي يديرون عصر الربيع العربي اليوم ليسوا ملائكة، وصحيح ان المجتمعات العربية لم تبلغ المستوى الذي بلغته مجتمعات الغرب في وعيها العميق وممارستها الكاملة للعمل الديموقراطي، لكن هذا طريق كان يجب ان يبدأ من مكان ما. وها هو يبدأ: صوت المواطن صار له حساب في صندوق الاقتراع، والرئيس المنتخب بات بالتالي عرضة للحساب، لأنه يعرف ان الشعوب التي اسقطت الديكتاتور السابق لن تتساهل مع هذا القادم الجديد الى السلطة، اذا خان الامانة او سار في طريق الاستبداد القديم. ينطبق هذا على الآتي من عباءة «الإخوان» مثلما ينطبق على سواه. لم يعد الشعار «الإخواني» الملتحف بالدين كافياً لمنع الناس من المحاسبة. على العكس هذا الشعار صار حملاً ثقيلاً على صاحبه لأنه قادم الى السلطة مع وعود الاصلاح وانهاء فساد الماضي واحلام تحسين الاقتصاد.

لا يعني هذا ان طريق محمد مرسي سيكون معبداً بالورود. في مصر مخاوف حيال تجربة «الاخوان» في الحكم وحيال اسلوب تعاملهم مع قضايا المجتمع وقدرتهم على الانفتاح على الشرائح التي لا تقول بأفكارهم او حتى تتناقض معها. وفي مصر وغيرها مخاوف (اكثرها مبرّر) حيال التزام الحركات الاسلامية بأصول العمل الديموقراطي واحترام تداول السلطة. وعلى الجانب الآخر هناك ميول في مصر، لا يجوز اغفالها، للرغبة في عودة القديم وتخويف الناس من المرحلة الجديدة. كما هناك من لا يزال يعتبر نفسه وصياً على البلد وعلى المواطنين باعتبارهم «قاصرين». وقد يكون بين قيادات الجيش المصري من يرى ذلك، ومن سيواجه محمد مرسي عند ممارسته صلاحيات الرئاسة من موقع هذه الوصاية. غير ان الجيش كما سواه لن يستطيع تجاهل عملية الانتخاب التي أتت بالرئيس الجديد وتصويت الناس له. لأن مواجهة كهذه اذا حصلت ستكون مكلفة للجيش ولمصر وللمرحلة الجديدة التي اشرقت فيها.

واذا كانت الخطوات التي اتخذها الجيش قبل اعلان نتائج انتخابات الرئاسة، مثل الدفع الى حل مجلس الشعب، والاعلان الدستوري المكمل، وسواها من الاجراءات الهادفة الى الوصاية على الرئيس الجديد، هي مؤشرات الى المواجهة التي يتخوف منها البعض، فانها سوف تضع الجيش في موقع معاد للارادة الشعبية، وهو ما لم يفعله عندما حمى ثورة 25 يناير، ومن المستغرب ان يفعله الآن بعد سنة ونصف سنة على نضج الثورة وظهور ثمارها الاولى. فضلاً عن ان طريقاً كهذا، اذا كان للجيش المصري ان يسير عليه، لا يحظى بأي غطاء اقليمي او دولي، في الوقت الذي يشعر الجميع ان تجربة الديموقراطية في مصر يجب ان تعطى فرصة كي تنجح، وكي تكون مثالاً تحتذيه انظمة اخرى في المنطقة العربية.

المصدر:
الحياة

خبر عاجل