يشتهر المسؤولون اللبنانيون بميزة إلقاء تبعة كل إشكال يحصل على "الآخرين". ثمة مقولة معروفة لطالما استعملوها، وهي: "الحق على الطليان". لكن العبارة الأشهر من دون منازع تبقى عبارة: "الطابور الخامس"!
هكذا، وعند كل إشكال، من أقصى الشمال الى أقصى الجنوب، ومن الحدود الشرقية الى البحر، يتم تحميل "الطابور الخامس" مسؤولية ما يحدث، طبعا باستثناء مرحلة التسعينيات من القرن الماضي حيث كان الجهاز الأمني السوري- اللبناني يحمّل "القوات اللبنانية" مسؤولية كل ما يحدث حتى درجت الجملة الشهيرة على سبيل النكتة "القوات إلن يد فيها"!
سبب هذه المقدمة هو ما جرى ليل الاثنين 25 حزيران 2012 من اعتداء سافر وجبان على تلفزيون "الجديد" تحت أعين الكاميرات وبشكل واضح أدى الى اعتقال أحد المنفذين وسام علاء الدين، وما تلاه من قطع للطرق في شوارع رئيسة من العاصمة اعتراضا على اعتقال علاء الدين بالجرم المشهود.
والواقع المضحك- المبكي أن اللبنانيين سمعوا مسؤولين يتحدثون عن طابور خامس وراء ما يجري!
أحد المنفذين معتقل، وهويته السياسية معروفة ولا زغل فيها على الإطلاق. و"رفاقه" قطعوا الطرق ليلا والقوى الأمنية وقفت عاجزة تتفرج عليهم في العاصمة… ويتحدثون عن "طابور خامس"!
لا يمكن لأي عاقل أن يناقش في انتماء علاء الدين للثنائي الشيعي. صفحته على الفايسبوك واضحة. رفاقه أنشأوا مجموعة متضامنة معه وكلهم بهوياتهم السياسية الواضحة ينتمون الى الثنائي "أمل"- "حزب الله". ويقولون إن ثمة "طابورا خامسا"!
كنا نعتقد أن مقولة "الطابور الخامس" تُطلق على شخص أو مجموعة من الأشخاص غير معروفين ينفذون أعمالا بهدف التخريب. ولكن كيف يمكن تصنيفهم "طابورا خامسا" حين يكونون معلومين ومعروفين ومحميين؟!
إن سياسة النعامة ستؤدي الى كارثة وطنية والى مزيد من تفلت الأمن ما يؤدي الى خطر حقيقي على سلامة لبنان. لذلك نقول بوضوح: إن المعتدين على تلفزيون "الجديد" هم من مناصري "أمل و"حزب الله" كما أثبتت الوقائع. هم من شاركوا 23 كانون الثاني 2007 و7 أيار 2008 ومن يشاركون في كل أعمال الشغب المطلوبة. هم من عصابات 8 آذار "غبّ الطلب" الذين ينفذون المطلوب منهم في كل مرة يسعى أحد الى "إرسال رسالة"…
لن نتهم قيادتي "أمل" و"حزب الله"، لأن في أحيان كثيرة يجتهد "التلاميذ" ويقررون إرسال الرسالة بمبادرة ذاتية منهم، وربما هذا ما حصل ليل الاثنين بحيث اعتبر المنفذون أن "واجبهم" السياسي والشرعي مواجهة المحطة التي سمحت بـ"التطاول" على الرئيس نبيه بري والسيد حسن نصرالله بمفهومهم وتحليلهم لحلقة الشيخ أحمد الأسير الأحد 24 حزيران 2012 ضمن برنامج "الحدث".
ولكن "فائض القوة" الذي سمح لهؤلاء الزمرة بالتعدي على "الجديد" سمح لأمثالهم أيضا بقطع الطرق ليلاً احتجاجاً على توقيف علاء الدين، ويسمح لكل أنواع الممارسات الشاذة المتفلتة على الساحة اللبنانية، من معارك الضاحية المتنقلة وتحدي هيبة الدولة ضاحية وبقاعا وجردا (حوادث لاسا مثالا) مرورا بعمليات الخطف الرائجة وصولا الى التفلت الذي وصل الى الشمال من طرابلس الى عكار!
إن "الطابور الخامس" كما الطابور الأول والثاني والثالث والرابع هم جماعة "السلاح الإلهي"، الخارج على كل شرعية، الذين ينهشون كل مقومات الدولة في لبنان لتنفيذ مآرب إقليمية باتت واضحة للجميع، فكفى تعمية ودفنا للرؤوس في الرمال!
إن ما جرى ويجري يشكل أكبر جرس إنذار قبل انهيار الهيكل اللبناني على الجميع، فهل يعي الجالسون على كراسي المصالح الوزارية ولا يرون غير "مغانم" يجب تحصيلها قبل الانتخابات النيابية، هل يعون خطورة ما يجري فيقدمون على الاستقالة لتشكيل حكومة جديدة تستعيد هيبة الدولة اللبنانية وتعمل على إنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل فوات الأوان؟