كتب حسين زلغوط في صحيفة "اللواء":
صحيح أن جلوس الأقطاب السياسيين حول طاولة الحوار يريح النفوس، ويخفف من منسوب التوتر في الشارع، غير أن ذلك يبقى عملة غير قابلة للصرف في سوق عكاظ سياسي يعجّ بالتجاذبات والمناكفات التي أضيف إليها سلاح أشد فتكاً وهو إثارة النعرات الطائفية والمذهبية التي بلغت حدّاً غير مسبوق بات يهدّد لبنان ككيان وليس طائفة أو مذهب بحدّ ذاته.
إن ما نراه ونسمعه في الشارع وعبر وسائل الإعلام أشبه بـ «عصفورية» مشرّعة الأبواب، حيث أن الجنون الطائفي والمذهبي بات يُصيب غالبية العاملين في الحقل السياسي وأكثرية لا بأس بها من عامة الشعب وهو ما يتطلّب دق ناقوس الخطر، كون أن المخطط الموضوع للمنطقة يقوم على دعامة أساسية وهي الصراعات الطائفية والمذهبية وجعل العالم العربي دولاً متناحرة منقسمة على نفسها يقابلها إسرائيل موحّدة قوية مبررا عنصريتها التي احتاجت لعدة عقود لتثبيتها وجعلها أمراً واقعاً.
إن ما هو حاصل على الساحة الداخلية لا يمكن معالجته بجلسة حوار ينتظر الشعب اللبناني انعقادها كل شهر أو أكثر، وأن الوضع الراهن بات يتطلب خطة طوارئ سياسية وأمنية واقتصادية وقبل كل ذلك خطة تربوية تعمل على إعادة تثقيف المجتمع والعودة به إلى المواطنية الصالحة بعد أن جنح معظمه الى سلوك طريق السوء والتناحر البغيض الذي يفتقد إلى أدنى مستوى من الأخلاقيات.
إن الحكومة مطالبة قبل غيرها باتخاذ الاجراءات الرادعة للحدّ من تفاقم الأوضاع الراهنة على مختلف المستويات، ومهمتها تبدأ من خلال العمل على تحصين الساحة الداخلية من خلال اتخاذ الاجراءات الآيلة إلى تأمين السياج الواقي للإستقرار الأمني، والعمل على ايجاد الصيغ التفاهمية حيال الملفات الخلافية التي استوطنت على رف الانتظار والتي اصابها «العفن» والاهتراء، إذ هل يجوز في بلد محاط بكتل من نار وبرياح عاتية تتجه اليه ان يبقى عاجزاً عن ترتيب وضعه الداخلية بفعل الخلافات التي تبرز فور الولوج في معالجة اي ملف مهما كانت شأنه وقيمته؟ لماذا لا يصار الى الاحتكام الى الدستور واتفاق الطائف عند كل معضلة تواجه المعنيين بأي ملف؟ هل اصبح اتفاق الطائف مجرد كتاب للديكور، او استخدامه غب الطلب وفق ما تقتضيه مصالح البعض من السياسيين؟ هل بات الطائف اله من تمر يؤكل عندما يجوع هذا الفريق السياسي او ذاك؟
إن الابتعاد عن تطبيق الدستور يقربنا اكثر فأكثر من الانزلاق الى المجهول، لأن الاستمرار بسياسة القيل والقال والانفعالات والكيديات تؤدي الى هدم الجسور ليس بين السياسيين وحسب وانما بين اطياف المجتمع اللبناني الذي بات كالمرآة تنعكس من خلاله الخلافات السياسية، بما يؤدي الى تزايد الشرخ والانقسام العامودي والافقي الذي مرده في الاساس الى النظام السياسي الطائفي الذي يتحكم بمفاصل الحياة السياسية ويجعلها أسيرة الاهواء المذهبية، إذ هل هناك من بلد في العالم ما تزال فيه اي وظيفة تخضع للمعيار الطائفي والمذهبي؟ وهل هناك بلد في العالم يكون فيه ولاء الموظف الى هذا الزعيم او ذاك قبل ان يكون لادارته؟ وهل هناك بلد في العالم يقترب فيه بعض رجال الدين من السياسة بقدر ابتعادهم عن الدين، حيث لا يقدمون ولا يؤخرون في السياسة، بينما تذهب خطبهم الدينية في اتجاه التحريض والتهليل والتكبير للزعامات السياسية التي تشكل لهم باب رزق؟
إن المشهد الحالي في لبنان يبعث على الخوف والقلق، حيث يتمترس كل فريق سياسي وراء موقفه ويعمل على انه الصح والباقي على خطأ، وهو سلوك أقل ما يقال فيه بأنه غير منطقي.
وفي رأي مصدر وزاري ان الانقسام السياسي الحاصل غير طبيعي، وان الاستمرار على هذا النحو سيدخل البلد في نفق مظلم. ويقول: «إن الحوار يشكل مشهداً مريحاً على الساحة الداخلية والمهم أن يستمر، فالتفاهم على الملفات الخلافية وتحديداً على الاستراتيجية الدفاعية أمر صعب لكنه غير مستحيل».
وفي رأيه ان ما هو حاصل في المنطقة أقل ما هو مطلوب من السياسيين حياله حد أدنى من التماسك الوطني، لان فقدان هذا التماسك يستتبع أداء غير جيد للدولة بكل مؤسساتها، يؤكد ان اتباع قاعدة التراضي لا توجد أمناً ولا تعزز قضاءً بل على العكس تزيد من موجة الفلتان التي تضرب البلد من أقصاه إلى أقصاه.
ويسأل المصدر ماذا نحن فاعلون لمنع تمدد كرة النار التي تتدحرج في المنطقة، إلى ساحتنا الداخلية؟
وكيف سيكون لنا القدرة على مواجهة أي استحقاق خارجي ما دامت الخلافات في الداخل تضرب بنا من كل حدب وصوب؟
ويخلص المصدر الوزاري إلى التأكيد بأن استمرار حالة المراوحة على كافة الصعد ستجعلنا ندفع أثماناً ربما لن يكون لنا القدرة على دفعها وبالتالي يسقط الهيكل على الجميع.