#dfp #adsense

في الموقع المتوقّع

حجم الخط

 كان الراحل العزيز الشيخ محمد مهدي شمس الدين يقول، عندما يحدث عن الرجال: علينا السرد، وعلى جنابكم الاستخلاص. وسوف أروي لجنابكم قصة كتاب لم يصدر. أو بالأحرى لم يصدر بعد. قبل عقد اتصل بي الشيخ فهد العبيكان، الذي لم أكن أعرف شيئاً عنه. سألني إن كان ممكناً المجيء إلى الرياض ليوم واحد. اعتذرت. قال ما رأيك أن نلتقي في دبي. قلت ما الموضوع. قال هذه مسألة لا يمكن شرحها على الهاتف، لكن "دار العبيكان للنشر" قرّرت إصدار كتاب في مناسبة مرور نصف قرن على سلمان بن عبد العزيز أميراً على الرياض، وهناك شبه إجماع على أن تكون مؤلّفه.

بعد أسبوع كنا نبحث في الكتاب في مزرعة آل العبيكان في الدرعية. يملك الاخوة العبيكان مجموعة من الصناعات الكبرى، من الورق الى الخيام التي تصدر إلى أميركا. وإلى جانب ذلك يملكون إحدى أكبر دور النشر والتوزيع، وسلسلة من نحو ثلاثين مكتبة.

العرض: نريد كتاباً يعدّ خلال عام ، "نفاجئ" به الأمير سلمان. أنت تضع الرقم الذي تشاء، ونحن نعد بعدم مس النص، وهذا هو العقد. قلت، أولاً، فلننسَ الرقم، لأنكم تعرضون عليّ ما هو أهم بكثير: المناسبة لأن أكتب عن أقرب مسؤول عربي إلى قلبي. ولكن أن أشرع في وضع كتاب من دون معرفته، فهذا مستحيل. وقلت إن أي كتاب خال من الدور السياسي الموثّق للأمير، سوف يسيء إليه وإلى كاتبه. وإذا كان هدف الكتاب فقط الكلام عن خصائل الرجل وعلاقته بالناس والنموذج الذي يمثّله، فمن الأفضل أن يضعه شاهد من عندكم، لئلا تبدو المسألة تملّقا. أما سيرة سلمان السياسية الحقيقية فلا يمكن أن توضع من دون الجلوس إليه والاطلاع على أوراقه وقراءة ما يمكن قراءته من محاضر محادثاته مع زعماء العرب والعالم.

قال الاخوة العبيكان: لا نريد أن نفقد عنصر المفاجأة. هذا الرجل له أفضال لا تحصى ولا تحصر على أهل هذه الإمارة. والكتاب ليس إلا طريقتنا في الاحتفال. قلت فلنجرّب بما لديكم من مادة وبما لدي من معرفة. لا تشكل سير الرجال الطيبين موضوعاً مثيراً أو طويلاً.

وشرحت بأن أكبر عدد من الكتب بالانكليزية صدر عن الملك حسين والملك الحسن الثاني. أحداث وحروب وصراعات ونزاعات. محاولات اغتيال غريبة حتى في الأفلام السينمائية. حملات حسنين هيكل على الاثنين. خطب أحمد سعيد وتعبيراته.

ولكن ما هو المثير في ان رجلا بنى أكبر مدينة في الصحراء، بطرقها وأعمدتها الكهربائية ومستشفياتها ومتاجرها وجامعاتها؟ لقد عرفت الأمير سلمان يوم كان مطار الرياض في قلب المدينة، وكان فيها فندق واحد يأتيه جميع الناس للسلوى في البهو، والآن عدد سكانها يزيد على عدد سكان لبنان. ولكن ماذا بعد؟ لقد اعتادت الناس التعرف إلى الرياض، عاما بعد عام، ولم يعد يدهشها شيء. الذي لا تعرفه الناس هو دور سلمان السياسي خلال نصف قرن. وهو دور قيادي وليس عاديا. ولكن كيف يمكن الحصول على الوقائع من رجل يرفض الكلام؟

أوائل الثمانينات، في لندن، أفاض الأمير سلمان في الحديث عن العلاقة مع ليبيا. روى تفاصيل عن تصرفات معمر القذافي. وتحدث عن الضرر الذي يلحقه بالمساعي التي يبذلها العرب في الشأن الفلسطيني. خرجت من المجلس ذلك المساء لكي أدوّن شيئاً مما قاله الأمير. وتعمدت صياغة حذرة حسبت فيها كل الحسابات.

بعد صدور المقال اتصل الأمير سلمان بنفسه: يا فلان، أين أمانة المجالس؟ لقد كنا في سهرة وليس في مؤتمر صحافي، عهدي بك اعقل من أن تعرض العلاقات العربية للأذى! كان امامي حل واحد، وهو القول في المقال التالي إنني أسأت فهم الكلام الذي سمعت.

تعلمت يومها ان الرجل لا يقول كلاما للنشر الا اذا قرأه سلفا. وكان هناك سبب أكثر عمقا: الملك هو الذي يتحدث في مواقف الدولة، ووزير الخارجية هو الذي يشرح التطوّرات الديبلوماسية. فالحكم ليس أصولاً فقط، بل آداب أولاً. اذاً، كيف يمكن الحصول على مادة تكفي لكتاب؟ اقترح فهد العبيكان أن أعقد جلسات عدة مع أبناء الأمير. وقعنا في المشكلة نفسها: ماذا إذا أخطأنا التقدير؟

في النهاية اعتذرت عن الكتاب، قائلا إنه ليس من الضروري ربطه بمناسبة محددة. فهذا الرجل تاريخ وليس فرصة سانحة. وبعد مضي سنوات قليلة ذهبت للسلام على الأمير في جدة، مع صديق قديم للأمير ولي، عبد المقصود الخوجة. امضينا مع سلمان بن عبد العزيز امسية طويلة بدأ فيها سرد الذكريات من أيام لم يكن في الرياض سوى بائع حلوى واحد. قال: لسنوات كنت أعرف أهل الرياض بالوجه والإسم، الآن كم تغيّرت الدنيا، وكم كبرت الرياض.

ثم انتقل إلى السياسة العربية وفتح كنزاً من كنوز المرحلة. وكأنه تنبه فجأة إلى شيء فقال بكل محبة: يا فلان لا شيء من هذا للنشر. كل هذه الأمسية في نطاق الامانات.
قلت: أرجو أن تعذرني، ولكن هناك امانة اخرى اكثر اهمية يجب أيضا أخذها في الاعتبار. امانة حق المعرفة. ربما كان في بعض القضايا ما هو ملكك وحدك. لكن هناك الكثير مما هو ملك المعرفة والتاريخ. قال: هناك صناديق بأكملها، متى يتسنى لي الوقت لاستعادتها كلها؟ دعنا ننتظر، في أي حال، فقد يحين موعد الإفراج عن بعضها.

عدت إلى مزرعة العبيكان ورويت خلاصة الأمسية في جدة. واقترحت أن يحاولوا هم اقناع الأمير بالمسألة. ولكن في هذه الفترة اصيب الامير سلطان بالمرض الخبيث وذهب الى نيويورك للعلاج. وطوال عامين كان سلمان الى جانبه في الغرفة الصغيرة المجاورة. يوماً بعد يوم، وشهراً بعد شهر. بعد وفاة الأمير سلطان ذهبت مرة الى مطعم ايطالي يديره شاب مصري. قال لي إن الأمير سلمان كان يأتي تقريباً كل ليلة للعشاء هنا: قطعة من جبنة بلا دسم وبعض الخضار. ويعود من هنا الى المستشفى.

اذا كان من صورة لخلق سلمان بن عبد العزيز، فهي علاقته باخوته وبأبنائه. وعلاقته بالناس. بعشرات الآلاف من المراجعين الذين مروا به في الامارة يطلبون شيئا او يشكون احدا. ومن الثامنة كل صباح يبدأ، في جلد لا مثيل له، في قراءة كل معاملة بمفردها. وقد سألته يوما، وهو يناقش مساعديه في هذه المعاملات، أليس من الافضل ان يكلف أحداً إياها؟ أجاب باقتضاب: انا خلف هذا المكتب من أجل النظر في هذه الأوراق. هذه شؤون الناس وأحوالهم.

وليا للعهد الآن، لن يعود دور الأمير سلمان السياسي، محاطاً بخفر التراتب العائلي. بلغ الموقع العالي والصعب في زمن بالغ الصعوبة. المملكة هادئة في جوار شديد الاضطراب، ما بين سوريا والعراق، والقلق على الأردن. اما عنا هنا فعندما جاء الى لبنان بعد نهاية الحرب خاطبه منح الصلح في برمانا قائلا: "من هنا من الفريكة ذهب امين الريحاني الى الملك عبد العزيز ليحدثه عن عروبة لبنان".

هذا البلد له في قلب سلمان بن عبد العزيز مكانات وصداقات ومواقع. وكان من أغلى تلك الصداقات عليه مولانا وحبيبنا هنا في "النهار". كان يقول له دوما – كما قال له الأمير سلطان – يجب ان تدرك يا غسان اننا لا ننظر اليك كصحافي ولا كسياسي. نحن نفكر فيك على انك واحد منا. انت صاحب مسؤولية في هذه الأمة.

لا أعرف عدد الرجال في الصفوف الطويلة المتدافعة قبل أن يحين دوري للسلام على سلمان بن عبد العزيز معزيا ومهنئا. وفي مثل هذا الحشد خجلت التوقف طويلا في مصافحته. وربما لم تكن هناك حاجة الى ذلك. فقد عرف عنه انه من اسرع واعمق القراء.

لا جديد هنا، سوى التغيير في الاستمرارية. المراحل وحدها تتغير اما قواعد الحكم فتطور، لا تغيير، كما كان يقول الامير نايف بن عبد العزيز. وولي العهد الجديد وجه مألوف في الحكم منذ زمن طويل، في الداخل وفي عواصم العالم. في كل عاصمة كان يستقبل بمراسم القادة وبساطة المودات.

المصدر:
النهار

خبر عاجل