ان يصبح محمد مرسي القيادي في جماعة "الاخوان المسلمين" اول رئيس مدني في تاريخ مصر الحديث، فذلك يعني ان الانتخابات التي حملته الى الرئاسة ستشكل محطة مفصلية ليس في تاريخ هذا البلد الذي طالما سمّي "ام الدنيا" فحسب، بل في تاريخ المنطقة العربية التي تمر في مرحلة من التغيير حملت "الاخوان" الى واجهة "الربيع العربي" .
لقد اثار مرسي الذي يفتقر الى الكاريزما الاستياء باكراً بعدما قدم "البراغماتية الاخوانية" على "الشعاراتية" في خطاب النصر، فلقد غيّب فلسطين وقدم التطمينات الى اميركا واسرائيل. وهنا من الضروري ان يتذكر "الاخوان" ان قضية فلسطين كانت الرافعة التي اعطت مصر دائماً دورها المحوري قومياً، وهو دور استمر الرهان عليه حتى بعد ذهاب انور السادات الى السلام المزعوم مع اسرائيل. وفي هذا السياق من الضروري التساؤل عن سبب التهليل الذي ابدته "حماس" لنجاح مرسي رغم استماعها الى خطابه!
من الواضح ان طريق مرسي لن تكون سهلة لاسباب كثيرة:
اولاً: لم يصل الى السلطة على حصان ابيض، فبينه وبين منافسه احمد شفيق اقل من 3% من الاصوات، وهذا يعني ان نصف المصريين صوتوا ضده. واذا تذكرنا انه نال في الدورة الاولى خمسة ملايين صوت ونيف وفي دورة الاعادة 13 مليوناً، فهذا يعني انه حصل على 8 ملايين صوت، جاءت من مؤيدي عبد المنعم ابو الفتوح وحمدين صباحي و"حركة 25 يناير"، ليس اقتناعاً به بل كرهاً بأحمد شفيق وخلفيته العسكرية، وهذا يعني ايضاً ان عليه ديناً سياسياً لنصف المصريين لا يمكن تسديده إلا بتنفيذ وعوده عن المشاركة والانفتاح واشراك المرأة.
ثانياً: سيواجه خصمين كبيرين لهما جذورهما الراسخة في الدولة ومؤسساتها اي الجيش ومؤسسة القضاء التي قد يضطر الى اداء قسمه الدستوري امامها لا امام مجلس الشعب، وسيفتقد مروحة من الصلاحيات بسبب التعديلات التي اقرها المجلس الدستوري بايحاء من المجلس العسكري، الذي يشكل دولة ضمن الدولة وله صدقية لدى شرائح من المصريين، وخصوصاً بعدما سهر على هندسة بارعة للانتقال الدستوري ستضع بالتالي مرسي و"الاخوان" امام خيارين. اما ان يكون رئيساً "يملك" ولا يحكم، واما ان يخوض مواجهة مع الجيش!
ثالثاً: وهو الاهم انه يواجه وضعاً اقتصادياً متهالكاً في بلد ينتج من الافواه اكثر مما ينتج من الخبز، واذا كان من الصحيح ان دولاً كثيرة من الغرب والشرق تتوق للاستثمار في بلد الـ 85 مليون نسمة، فان الاستثمارات لن تصل قبل ان ينجح "الاخوان" في الامتحان ويتبين خيطهم الابيض من الاسود في ما يتعلق بالدولة المدنية والحريات والديموقراطية والانفتاح ودورية العملية الانتخابية، وهي الوعود التي قطعها مرسي في حملته الانتخابية!