#dfp #adsense

حصان طروادة..

حجم الخط

يملك اللبنانيون ترف التمتّع بالاستماع إلى آراء النائب ميشال عون. ويضيفون ذلك إلى جملة الهوايات الاستثنائية التي يمارسها جزء كبير منهم. وفي مقدّمها الضجر من كثرة المُتع ومطارح اللهو ومساحات الضوء وقلّة الهموم! وما يولّده ذلك من انتشار للكسل البدني والفكري، وانكماش لسعة الأفق التي كانت سابقاً ولاّدة أحلام وأسفار أوصلتهم إلى آخر الأرض!

لا هموم تذكر ويُعتدّ بها! ولا مشاكل منظورة ومحترمة ومقتدرة تستدعي جهداً إضافياً لمواجهتها. ولا متطلبات خارج السياق الطبيعي المألوف.. ولا شيء في الإجمال يستدعي إبقاء حالة الطوارئ الشخصية قائمة على مدار الساعة، كما أنّ المناخ العام السياسي والأمني لا يشبه في شيء الكرنتينا الفلتانة، كما يلغو البعض ويدّعي!

وعليه، فإنّ طلاّت مسيو عون الأسبوعية تبدو، كما قال محمد العبدالله مرّة مثل "كأس الجلاّب في حرّ آب". منعشة وفوّارة وقاتلة للظمأ والنشفان والقحط والملح العالق في الزلعوم. وفوق ذلك، فهي تملأ فراغاً مديداً في صحراء السياسة اللبنانية. وترفدها بأسباب الرقي ودواعي الترقّي، والإيغال في العربشة نحو مكارم الأخلاق وصولاً إلى طحبشة جمهورية افلاطون الخالدة واستبدالها بمدَد من فتوحاته لا ينضب!

المشكلة الوحيدة التي تواجه تلك الفرادة خصوصاً (والفرادة في الإجمال) هي أنها ليست للعوام والكثرة وإنّما للخواص والنخبة. ولذلك يجهد كبير إصلاحيي زماننا في الحكي والإعراب والشرح والتعليل والتفسير، ومع ذلك لا جدوى تُذكر أو تُقطف أو تُحصد!

لم يفهم عليه اللبنانيون منذ طلاّته الأولى من شرفة "قصر الشعب": أراد تحريرهم من الاحتلال السوري فإذ به يتمدّد إلى ما تبقى من أرض مستقلة! وأراد توحيد الجمهورية فإذ بها تتشظى مئة قطعة وقطعة. وأراد مواجهة العالم بأسلحة صدام حسين فإذ به يحطّ في أقرب سفارة أجنبية ومنها إلى المنفى الكئيب. ثم أراد أن يعيد اكتشاف فتوّته المقاوِمة والممانِعة فإذ به يتلطّى بالسلاح غير الشرعي على حساب السلاح الشرعي. ويفترض أنّ السيادة تعني الذهاب إلى دمشق وطهران وفق مبدأ المعاملة بالمثل! وأنّ الحرية تعني تسفيه وشتم كل آخر وكل رأي آخر! وأنّ الاستقلال يعني بلع اللسان والتطنيش عن كل ظواهر المسّ بذلك الاستقلال حتى لو كان سلاح أحمد جبريل!. ثم بعد ذلك، اكتشف أنّ قصّة الفساد تبيع في السوق، فكتب واحدة على قياسه فإذ بكل صفحة فيها تستدعي مئة سؤال وسؤال من نوع "من أين لك هذا؟". واعتقد أنّ الإصلاح شعار طنّان في بلد فلتان فاعتنقه ورفعه كالرمح فإذ بالمصائب تتوالى على الناس كما لم يحصل حتى في مجاهل بعيدة، وحتى في أسوأ أيام الحرب: دبّت العتمة وسادت، وذهبت المياه إلى البحر وأصاب الظمأ الناس والأرض كما لم يحصل حتى في حقول الملح.. ثم رأى أنّ التغيير مفتاح ذهبي فحمله وعلّقه في رقبته أيقونة لمّاعة، فإذ بالتغيير الذي يريده هو "أنا أو لا أحد" وجبران واحد لا جبرانان!

فريد عصره مسيو عون. تذكّر أخيراً من زحلة في حمأة اصطفافه "الأقلوي" أنّ "محمد الفاتح" كان على أبواب القسطنطينية فيما أهلها يتجادلون في جنس الملائكة.. ناسياً قبل ذلك، أنّ طروادة كُسِرَت من داخلها، وأنّ حصانها كان قمّة فرادة ذلك العصر.. حصان طروادة!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل