#dfp #adsense

العاصمة تستفيق على آثار “غزوة بيروت الثانية”…أما آن لليل “الدواليب” أن ينجلي؟

حجم الخط

كتب عمر حرقوص في صحيفة "المستقبل":

"ليل السواد الطويل"، هكذا سمّى سكان عدد من أحياء بيروت ليلة الدواليب التي أعادتهم بالذاكرة إلى زمن الحرب الأهلية. يقفون على شرفاتهم ويحكون عن الخوف خلال ساعات كان فيها للشبان السيطرة الكاملة على الأحياء والشوارع في العاصمة. لا شيء يساوي ساعة رعب عاشتها عائلات بكاملها خوفاً من المشهد الأسود. صراخ وشتائم وقطع للطرق وأسلحة أطلق منها الرصاص، وإطارات تتنقل فوق دراجات نارية لتشتعل فيها النيران، كأنما الأمر خطة مدروسة أو كأنه أمر عادي تدرب عليه الشبان لينفذوه ويعيدوا انسحابهم التكتيكي عند ساعات الفجر. ليلة غزوة بيروت أو ليلة الهجوم على قناة "الجديد"، سوداء ومرعبة معجونة برائحة الإطارات المشتعلة.

فجأة ظهر العشرات بكامل عتادهم في شوارع العاصمة في عملية منظمة كان لكل واحد من أعضائها عمله، والهم الأول كان لدى قطاع الطرق هو التخويف وبث الرعب في قلوب الناس.

لا يصدق أبو علي أن كل ما فعله منذ ساعات صباح الأمس هو فقط تنظيف المواد الغذائية والمعلبات التي يبيعها والتي تمتلئ بسواد سخام الإطارات المطاطية التي أشعلت على باب محل السمانة الذي يملكه في منطقة زقاق البلاط. فالإطارات أشعلت بالقرب من "دكانه" الصغير ليل أمس في غزوة تحرير قناة "الجديد".

ينظر أبو علي إلى سقف دكانه كأنه يتحدث إلى المصباح، ويعود فيخفض رأسه. لا يحب الكلام كثيراً فهو اكتفى مما رأى، ولكنه يبدي طوال الوقت استياءه من مرور السيارات التي تحرك معها الهواء فيتحرك السخام من بقايا الإطارات ويدخل إلى عيني الرجل وثيابه وتنفسه، هو ابن الخامسة والستين عاماً. يروي قصة الخوف والاتصالات المتواصلة بينه وبين أولاده للاطمئنان عليه وعلى والدتهم خلال "الحرب" على الناس في الشوارع. يشير إلى أن بعض الشبان كانوا يتلقون أوامرهم عبر أجهزة اتصال لاسلكي، وآخرين كانوا يديرون العملية بشكل يظهر أن المكان تحوّل إلى منطقة عسكرية وخصوصاً مع ظهور أسلحة بيد بعض العناصر.

في زقاق البلاط لم ينم الأهالي طوال الليل من كثرة التحركات التي قام بها شبان من الحي بعد الإعلان عن الهجوم على التلفزيون، تجمعوا في الزوايا وبدأوا الاتصال ببعضهم البعض. انقسم العمل بين من يقوم بإحضار الإطارات ومن يقوم بتبليغ الغائبين للحضور سريعاً من أجل قطع الطرق في المنطقة وفي محيطها. حالة من الخوف عاشتها سيدة كبيرة في العمر فضلت عدم ذكر اسمها، والرعب أتى لأن اثنين من أحفادها بقوا تلك الليلة في منزلها فخافت أن يعرف "الغاضبون" بوجودهم فيتعرضون لهما أو يهاجمون منزلها.

لم ينم الأهالي من الحر الذي لا يطاق ومن الخوف ومن الرعب ومن تطور الأمور إلى ما لا يمكن تحمله من جديد أي الإشكالات اليومية التي تشبه الحرب، لم يناموا أيضاً من رائحة "المشاوي" المطاطية، ومن الصراخ الذي أطلقه الشبان هناك حتى بعد إطفاء الحرائق، فبقي الجميع ساهراً حتى طلوع الفجر حيث انسحب الشبان إلى بيوتهم وأماكنهم الخاصة، وانتقل المواطنون الساهرون بقدرة الضجيج إلى التحضير ليومهم الطويل.

في منطقة الضناوي لم يختلف الأمر كثيراً، لكن هناك زاد في الأمر أصوات الشتائم التي أطلقها عدد من "المنتفضين" على عدوهم "الجديد"، فدخلت أصواتهم غرف النوم وأيقظت الصغار والكبار، وذكّرتهم بما حدث في غزوة السابع من أيار عام 2008 لاحتلال بيروت. يعود انتظار طلوع الفجر علّ المشهد يكتمل ويعرف الناس إلى أي مكان يهربون إليه هذه المرة.

تتجه أم سعيد إلى بيتها بعدما اشترت بعضاً من الخضار تحضيراً لعشاء عائلي يتضمن سيرة ليلة الرعب السابقة. تسقطت الأخبار من الجار "الخضرجي"، واستمعت اليه يتحدث عن كمية الغبار الأسود الذي غزا بيته القريب ودخل فراشه، وكذلك عن اضطراره لتنظيف الخضار حتى يتمكن من بيعهم، وكمية الإطارات المشتعلة التي أزالها عن باب دكانه، يهز برأسه محاولاً نسيان ما حصل.

يقول إن حركة السير جيدة وتشبه الأيام العادية ولكن المؤسسات التجارية القريبة منه خالية من الزبائن، فهذا النهار المتشابه مع غيره بازدحام السير يذكره بأيام الحرب الأهلية حين كان يفتح معبر بشارة الخوري السوديكو حيث تسير صفوف السيارات الطويلة بشكل متراصف ولكن لا أحد من المؤسسات يبيع أو يشتري، فالكل مستعجل للذهاب إلى بيته.

في منطقة الخندق الغميق يحاول عاملان من شركة "سوكلين" إزالة رواسب الحرائق الليلية من الشارع، وجمعها في المستوعبات التي أُحرقت وسُدَّت بها الطرق المؤدية إلى المنطقة من جهة "الرينغ". سكان المنطقة يعرفون بعضهم وهم يفضلون الصمت على ليلهم السيئ الذي مرّ كأنهم في حريق يسكن بيوتهم ولا يتوقف. سمعوا أصوات الصراخ وشاهدوا أصحاب الدراجات النارية الصغيرة يتنقلون طوال الليل بين الزواريب، يطلقون الصيحات والشتائم، ويحرقون الإطارات في مشهد استمر إلى ما بعد الواحدة ليلاً.

رائحة الحريق تطغى على كل شيء لكثرة الإطارات التي أشعلت، رسمت فوق اسفلت الطريق دوائر وحفرت "جوراً" تتحضر لتصير مع الوقت حفراً كبيرة ومصيدة للسيارات التي تمر من هناك. أحد الشبان الصغار ويعمل "ديليفري" لتوزيع النرجيلة على الناس في بيوتهم، قال إن ليلته كانت عملاً شاقاً فهو أوصل الطلبيات لعدد كبير من زبائن محله في "محاور القتال" التي اشتعلت بالإطارات، بقي حتى ساعات الصباح يلملم عدة العمل من الشوارع، ويبتسم لرزقته الكبيرة التي حققها متمنياً دوام الأمور وزيادة الحال حتى يصير الشغل أكبر.

في منطقة صيدلية "بسترس" وقبل الوصول إلى مبنى وزارة الداخلية تطل لوحة عملية جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية على الدوائر السوداء فوق الاسفلت، هنا أحرق إطار وهناك اثنان وهنالك خمسة وغيرها… بقع جديدة لم تكن موجودة سابقاً كان الانتشار يشبه خطة أمنية؟ مفاصل رئيسية تمت تجربة احتلالها كأن الأمر استعادة لسيناريو قديم. أحد المقاهي هرب زبائنه ليلة محاولة "تحرير" التلفزيون، فهم شاهدوا العشرات من راكبي الدراجات النارية الصغيرة يحملون إطاراتهم ويتبعون بعضهم للوصول إلى المفترق الذي يؤدي أيضاً إلى منطقة فردان ومداخل الحمرا، يرمون المادة المشتعلة ويضعون الإطار فوقها، يضحكون ويشتمون وبعضهم يحمل أسلحة فردية يطلقون النار من وقت لآخر، زبائن المقاهي الذين كانوا يتسامرون عن مباريات كأس أوروبا ويتحضرون لجولة جديدة من الحكي لفتهم ضخامة القادمين لقطع الطرق، فهربوا لا يلوون على شيء كأنهم أسرع من الراكضين وراء كرة قدم في ملعب كبير.

جسر "الرينغ" استعاد من جديد صورته الأخيرة من "ألبوم" صور السابع من أيار، قطع حجارة من جهة الخندق الغميق وإشعال إطارات، كأنه كان نائماً واستيقظ متفاجئاً على الضجيج الذي أصدره الشبان القادمون بكل ما يحملونه من صراخ وشتائم بوجه العابرين الذين منعوا من العودة إلى منازلهم.

في رأس النبع يروي فؤاد ما عاشه طفلاه من رعب وخوف، كان يحاول إسكاتهم ولكن الصراخ والشتائم الآتية من الشارع وخصوصاً حين الاعتداء على مصور تلفزيون لبنان دعياه إلى إطفاء الإضاءة وإسكات طفليه لكي لا ينتبه له أصحاب "الشارع".

حركة السير في شوارع بيروت كانت عادية أمس، ولكن حركة البيع والشراء كانت خفيفة، كلما التقى جاران في المناطق "المحروقة" كان ثالثهما إطار ما أو شتيمة سمعوها خلال ليلهم الطويل، نظّفت الشوارع من السخام، ولكن غباره ما زال متطايراً بين البيوت وغرف النوم وأنوف الأطفال الذين نقل عدد منهم إلى المستشفيات بحالات ربو وأمراض جهاز التنفس.

بيروت بالأمس كانت تعيش على أمل أن يصبح لدى اللبنانيين حكومة قادرة على الضرب بيد من حديد في مواجهة السلاح غير الشرعي الذي يحمي الفلتان. كانت تنتظر، رئيس الحكومة أن ينزل إلى الشارع ويدعو حلفاءه للانسحاب، ولكنه بدلاً من ذلك كان مثل بقية اللبنانيين يحضر الإثارة التي يعيشونها عبر التلفزيون، ويصمت عن القمصان السود وإطاراتها وشتائمها واللعنات التي انصبت من الأكثرية الصامتة على هذا الزمن.

 

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل