لم يعد المكان مصنفا كمرفأ فينيقي. صار حفرة، مجرّد حفرة تنهشها جرافات الزمن السيء، هوة عميقة تردم بقايا انسان، بقايا وطن، بقايا تاريخ لم يعد يتشرّف بأن يُدخل الى قائمته الطويلة مسؤولين جهلة حوّلوا التاريخ الى صفقة…
دُمر آخر المرافئ الفينيقية المكتشفة في وسط بيروت، دخل المكان تاريخ الصفقات. صار تاريخه بلا تاريخ، بلا عنوان، بلا هوية. صار باحة مستباحة لجرافة لا ترحم، تجرف الامس واليوم بدم بارد، ولا من يبكي، ولا من يدمع، ولا من يأسف لا على الموقع فحسب، بل على وطن صار كباريه، صار رصيفا لعابرين لا يلحظهم لا التاريخ، ولا الجغرافيا ولا الزمن، الا بما يُدوَن لهم من انجازات الدمار المبرمج.
لا لون رمادي في هذا الوطن، أسود كالح أو بعض من بياض يلوح أحيانا في غربة الظلام، وما ان يفعل حتى يُمَحى بدوره. لا حلول وسط هما اثنان، وزير يُجلّ التاريخ ويلحق معالمه حتى أصغر حجر، وآخر يلحق بآخر حجر ليسويه بالارض ويجعله تاريخا غابرا. هما اثنان سليم وردة وغابي ليون. الاول وحتى آخر يوم في وزارته، بقي يلاحق المباني الاثرية في الجميزة، ودخل في صراع مرير مع الشركات العقارية في جبيل، التي حاولت وشغلّت أعلى الوساطات والمراجع السياسية لتأخذ توقيعا من الوزير، لتبني مركزا تجاريا ضخما في أحد المواقع الاثرية، ورفض، تحدى كل الوساطات ليحافظ على خمسة الاف سنة من التاريخ، ورفض فيما رفض منح رخصة لاحدى الشركات للبناء فوق المرفأ الفينيقي اياه قرب اوتيل مونرو في بيروت. الى أن، الى أن جاء وزير الحكومة المكلفة تدمير كل ما يرمز الى الكرامة الوطنية، الى حضارة الانسان اللبناني وأمجاده، جاء غابي ليون وزير التيار العوني، جاء ليمحو آثار العراقة ويعطي الترخيص بالهدم!!
يا الله ما أفظع العبارة. الهدم، هكذا وبدم بارد يُمّحى وبدقائق تاريخ خمسة الاف عام!!
من نصّب الوزير ليكون الجلاد، من وكّله اطلاق حكم الاعدام على موقع أثري، من أوحى له بأنه حاكم الزمان يشطب ما يشاء من سطور الامس، فقط لانه سُمي ذات لحظة كيد سياسي، سُمي "وزير ثقافة"؟!!
الثقافة يا "معالي" الوزير أن تتذكر اولا انك لبناني من اصل فينيقي، وانك ثانيا وثالثا واخيرا، ومن حيث المبدأ، واجبك حماية كل ما يرمز الى حضارة وثقافة وعراقة هذه الارض، هذه الارض التي بدأت تكفر بمن يطأ فوقها في زمن المستزلمين، وزمن رجال يتسلّحون بممحاة تمحو زيحا لتخطّ آخر، زيح الحضارة ليعلوه زيح يتوّج عهد الدمار، عهد الانسان المنتَهك…
