يحتاج المرء الى كثير من السذاجة لكي يصدق اولاً ان النظام السوري هو الذي اتخذ قرار اسقاط المقاتلة التركية فوق المياه الدولية كما اعلنت انقرة، وثانياً انها اسقطت بالمضادات الجوية كما قالت دمشق، وثالثاً انها عادت لتهدد طائرة تركية ثانية كانت بصدد البحث عن حطام الاولى!
قياساً بالوضع الميداني الذي يشير الى ان النظام لا يسيطر على اكثر من 60 % من الاراضي السورية ومع وصول النيران الى اذيال العاصمة دمشق، من الصعب التصديق ان النظام قرر ان يوجه صفعة عسكرية مهينة الى تركيا جارته القوية التي طالما خشي من قدرتها العسكرية.
على اساس كل هذا وفي ظل التمادي الروسي في دعم النظام الذي يشكل خط الدفاع الاخير عن مصالحه الحيوية في المنطقة، من حق المراقب القول ان روسيا على الاغلب هي التي اسقطت المقاتلة التركية وهددت الثانية، وفي هذا السياق يمكن ايراد الوقائع الآتية :
اولاً: اسقطت المقاتلة فوق المياه الدولية على مسافة 22 كيلومتراً من ميناء طرطوس بعدما خرقت المجال الجوي السوري لدقائق، وهذا يعني انها اصيبت بصاروخ روسي اطلقه إما السوريون وإما الخبراء الروس في المنطقة .
ثانياً : كانت المقاتلة تقوم برصد الشاطئ السوري في محيط طرطوس حيث القاعدة الجوية الروسية التي تستعد لاستقبال سفينة جديدة تحمل اسلحة هجومية الى الجيش السوري، في وقت تحدثت الانباء عن تركيب الجيش الروسي شبكة من الرادارات المتطورة في مرتفعات كسب السورية.
ثالثاً : جاءت الضربة الجوية عشية اجتماع مجموعة الاتصال من اجل سوريا في جنيف، بناء على طلب كوفي انان الذي يقترب من الاعلان النهائي عن فشل مهمته، لتشكل رسالة روسية نارية عبر البريد الجوي التركي الى اميركا ودول حلف شمال الاطلسي، مفادها انها لن تقبل بأن تحصد في سوريا ما سبق لها ان حصدته في ليبيا من الخيبة.
رابعاً : على خلفية هذه الضربة التي قالت موسكو انها لا تشكل عملاً استفزازياً [!] وافقت على حضور اجتماع جنيف الذي يفترض ان يعقد السبت المقبل، والذي تريد ان يكون لها فيه كلمة راجحة، وخصوصاً اذا شكّل محاولة اخيرة للتوصل الى اتفاق بين القوى العظمى حول خطة الانتقال السياسي بعد سقوط النظام.
خامساً: ربما ارادت موسكو توجيه رسالتها النارية في زمن السبات الانتخابي الاميركي اولاً لدفع دورها الاستقطابي الناهض، وثانياً لتقوية حجتها في مداولات الديبلوماسية السرية الجارية مع الاميركيين والتي وصلت كما تقول تقارير عليا الى مرحلة البحث المشترك في قائمة من الجنرالات السوريين المقبولين لتولي السلطة مرحلياً ووقف حمامات الدم تمهيداً لوضع دستور جديد واجراء انتخابات حرة .