فشل "مسلسل المشاكل" الذي يفتعله النظام السوري وأدواته المحلية لإسقاط لبنان في اتون فتنة داخلية، فوصل السكين الى رقبة وسائل الاعلام من دون استثناء، عبر اعتداء فاضح على "قناة الجديد" يحمل في طيّاته رسائل متعددة المضامين والاتجاهات إلى الداخل والخارج، تصبّ جميعها في تظهير عجز الحكومة حتى عن مواجهة ضغوط مكوناتها بما يجعل المحافظة المطلوبة عليها أمراً عبثياً وينقل مطلب رحيلها الى مصاف الاولويات.
فالذين حاولوا مطلع الاسبوع الجاري إحراق "قناة الجديد" معروفون لأن واحداً منهم على الاقل ينتمي الى "سرايا المقاومة" وهي من المجموعات الدائرة في فلك "حزب الله" والتي لعبت دوراً بارزاً في "غزوة" 7 أيار 2008 عندما فرض الحزب سيطرته على بيروت، وهي تتصدر حالياً احداث "7 ايار الاعلامية" التي تواجهها وسائل الاعلام خصوصاً مع ما تسرّّب من معلومات عن خطة كانت ستستهدف في الوقت نفسه "اخبارية المستقبل".
ورغم وضوح انتماء الموقوف وسام علاء الدين، فثمة معلومات تشير الى ضغوط تمارسها جهات حزبية لتأمين اطلاق سراحه، أبرزت محطاتها التلفزيونية خلال زيارة منزله صورة لرئيس الحكومة الاسبق الشهيد رفيق الحريري، بغضّ النظر عن المشاهد الحيّة المسجلة التي تؤكد تورطه. وتدرج مصادر مقربة من الاكثرية هذا الاعتداء في إطار فردي لم يتحمل مس الشيخ احمد الاسير بمقامات عالية مثل الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله او رئيس المجلس النيابي نبيه بري.
في المقابل، ترى مصادر سياسية محايدة في وصول حبل التعديات الى الاعلام دليلاً على ارباك "حزب الله" في اللحظة الحالية: اقتراب نهاية النظام السوري والصدأ الذي يعلو سلاحه غير المستخدم ضد اسرائيل منذ ستة اعوام. وتقول إنه لم يعد يملك لشدّ عصبية انصاره الا رفع امينه العام الى مصاف "القداسة" واعتبار المساس بهيبته من المحرمات، مذكّرة بأحداث الشغب واحراق الاطارات التي شهدتها بيروت عام 2006 بسبب تناوله في احد البرامج السياسية الانتقادية الفكاهية.
وتزامن الاعتداء على "قناة الجديد" مع جلسة الحوار التي اكد فيها رئيس الجمهورية ميشال سليمان عزمه على عرض نظرته للاستراتيجية الدفاعية في الجلسة المقبلة بعد شهر كامل، ممددا فترة السماح قبل تناول الملف الخلافي الاكبر. وفي هذه الجلسة عرض كل طرف نظرته ووافق "حزب الله" للمرة الاولى على مبدأ مناقشة سلاحه بعدما كان حتى الامس القريب "مقدسا" خارج البحث وخارج أي جدول اعمال. اذاً، لم يعترض "حزب الله" على الطاولة لكنه قال بوضوح عبر الاعتداء على قناة "الجديد" المفتوح على مسلسل مشابه: ابحثوا ما تريدون أما على الارض فالامر لي.
وأخطر من الاعتداء على "الجديد" ما تلاه من قطع طرق بالاطارات المشتعلة عشية انطلاق الشهر الامني الذي بدأته أمس وزارة الداخلية، ثم متابعته في يوم انطلاقها. فقد نظم انصار الموقوف في الاغتداء على "الجديد" حسام علاء الدين تحركات متنقلة شملت قطع طرق بما فيها طريق مطار رفيق الحريري الدولي رغم تعهدات سابقة بالامتناع عن قطع الشريان الوحيد الآمن الذي يربط لبنان بالخارج.
وقد توالت التهديدات على مسؤولي قناة "الجديد" تطالبهم بإسقاط حقهم والا فالامر لا يكلّف سوى "رصاصة واحدة"، فيما كان الوزير مروان شربل يشيد ببدء الشهر الامني الذي تزامن كذلك مع اعمال شغب شهدها قصر العدل في بعبدا.
والى جانب ضرب الحوار والتنصل من وضع استراتيجية دفاعية تضع سلاحه في كنف الدولة، فإن الخطورة في توقيت استهداف الاعلام بما قد يمهّد لكتم الاصوات الاعلامية المناهضة لنظام الاسد، ويؤدي عملياً إلى تراجع دور هذا القطاع في لبنان فيما هو يشهد نهضة غير مسبوقة في دول الربيع العربي.
وثمة معلومات من مصادر عليمة بأوساط الطائفة الشيعية، تشير الى أن الارباك وصل حد تبلور توجهين في اجتماعات الهيئات القيادية: الاول يريد النأي بنفسه عما يحدث في سوريا والتفتيش عن سبل انخراط وطني، والثاني يريد إبقاء الورقة في يد طهران.
لكن الخارج، كما العرب، ما زالوا يتمسكون ببقاء حكومة الرئيس نجيب ميقاتي رغم عجزها الفاضح باعتبارها تؤمن استقراراً امنياً على الاقل، بغضّ النظر عن نوعية الاحداث سواء الأمنية او احتمالات الاغتيالات التي توسّع التداول بها. كما يتمسك بها "حزب الله" المربك وسوريا لاسباب مختلفة اهمها التحكم بورقة تصدير الازمة السورية بعد فشل محاولاتهم خلق فتنة لبنانية-لبنانية ثم انتاج فتنة لبنانية – فلسطينية حرفاً للأنظار عما يجري على ارض سوريا وللقول بان نظام دمشق ما زال يملك اوراقاً اقليمية قد تغري الغرب مجدداً.