يُجمع السياسيون اللبنانيون على إختلاف مشاربهم ولأي فريق سياسي إنتموا على أن "الأمن بالتراضي" كلام معسول مخلوط بالكثير من السم. حتى أن بعضهم يعتبر هذا النوع من الأمن سيتسبب بإنهيار النظام السياسي اللبناني بأكمله، طالما أنه يمنح السياسيين حق التغطية على محازبيهم المخالفين، أو ربما يدفعهم الى ذلك. وأغلب السياسيين الحريصين على حقهم في ما يرنون إليه، إلا أنهم يلجأون الى رفض عبارة الأمن بالتراضي شفهياً، ولكنهم لا يقومون الا بتنفيذها على الأرض حين يتعلق الأمر بمناصرين لهم قاموا بالإعتداء على الأمن أو خالفوا أوامر القوى الأمنية أو إستخدموا نفوذهم الحزبي في سبيل تمرير صفقات "أمنية على الأرض".
مهما يكن من أمر فإنه في النظام السياسي القائم كله على "التوافق" والتراضي، لا يشكّل "الأمن بالتراضي"، مشكلة كبيرة في ما يتعلق بمخالفات بسيطة يقوم بها حزبيون من هنا وهناك، ولكنه يصبح بلا أي قيمة أو فائدة حين يتعلق الأمر بقوى حزبية مسلّحة لا تتوانى عن إستخدام سلاحها في مواجهة المواطنين الآمنين وفي مواجهة عناصر الأمن من جيش ودرك، وهذه القوى ترفض حتى البحث في موضوع سلاحها وإستخداماته وفي قلق قسم من المواطنين اللبنانيين منه، معتبرة أن هذا السلاح مقدس. في مثل هذه الحالة يصبح حتى الأمن بالتراضي خاضعا لمزاج صاحب السلاح وفوقيته وشعوره بالسطوة والسلطة، والدليل على ذلك ما حدث قبل يومين، حين إنطلق سيناريو إحراق مبنى تلفزيون "الجديد" وإقفال مداخل مدينة بيروت والطرق المؤدية الى وسطها وتلك التي تربط بين شطريها، بينما كان وزير الداخلية مروان شربل يعلن إنطلاق "الشهر الأمني" في جميع أنحاء لبنان.
البارحة حين أعلن وزير الداخلية في مؤتمر صحافي إنطلاق الشهر الأمني، كان مصيباً بعدد من الأمور التي صرّح بها، ومنها أن الخطة الأمنية ستنطلق من المشرفية لأن المواطنين يعتقدون أن الإنفلات الأمني ينطلق من الضاحية الجنوبية لبيروت، ومنها تصريحه بأن الأجهزة الأمنية لن تكون كبش محرقة. وقوله في المؤتمر نفسه إن ما يحصل هو امتحان للسياسيين لمعرفة ما اذا كانوا سيعطون الغطاء السياسي لأحد. وأخيراً إعلانه أن ما يتعلق بالسلاح غير الشرعي، يحتاج إلى قرار سياسي جامع لنزعه…. كان الوزير شربل محقاً في كل ما قاله.
لكن أن تكون محقاً في القول لا يعني أنك ستتمكن من إستخدام حقك بالفعل. فما يقوم به وزير الداخلية هو أكثر ما بإمكانه القيام به لأن الباقي يتعلق بـ"إمتحان السياسيين"، وهذا نفسه عودة الى الأمن بالتراضي"، أي الى "اللاأمن". فالموضوع كله يتعلق بالسلاح غير الشرعي، وبما أنه يحتاج الى قرار سياسي جامع لنزعه فهو إذاً لن ينزع، اذ لا يبدو أن أصحاب هذا السلاح يريدون نزعه من أيدي محازبيهم أو على الأقل لا يبدو أنهم إتخذوا قرارا سياسيا بإخفاء هذا السلاح وبوضعه خارج لعبة موازين القوى الداخلية.
أما أن يبدأ تطبيق الخطة الأمنية من المشرفية، فهذا عين الصواب من الناحية النظرية، ولكن بلا أي قيمة على الصعيد العملي. والجميع يعرف أنه لن يُصار الى إلقاء القبض على أي مخالف للأمن في الضاحية الا بموافقة "حزب الله" عموماً وحركة "أمل" في بعض المناطق، وسيتم إطلاق سراح كل حامل للسلاح سواء على خصره أو في صندوق سيارته اذا ما صرّح بأن هذا السلاح تابع للمقاومة. أما بخصوص أن القوى الأمنية لن تكون كبش محرقة فهذا ما لا يمكن ضمانه، لأن كل التجارب السابقة منذ العام 2005 حتى اليوم تفيد بأن القوى الأمنية هي كبش المحرقة، سواء تدخلت أو لم تتدخل.
الأمر الوحيد الذي يمكن للوزير شربل – أو للحكومة التي ينتسب إليها- تحقيقه في خطته الأمنية هو "إمتحان السياسيين"، فما عليه سوى أن يقدم لهم اوراق الإمتحان وينتظر النتيجة التي سيحصلون عليها، وهي على الأغلب ستكون رسوبهم. لأن السياسيين الذين يمتحنهم الوزير ما زالوا يعتقدون أن "السلاح مقدس" مهما كان العمل الذي يؤديه، وأن "السلاح زينة الرجال" أياً يكن الرجل الذي يحمله. وهؤلاء أنفسهم يستقوون بمحازبيهم حاملي السلاح لفرض سيطرتهم على الأرض، بعدما أقنعوا هؤلاء المحازبين بأن هناك مؤامرة عالمية تنفذها أدوات لبنانية من أجل نزع سلاح "المقاومة".
بهذه الطريقة يبقى اللبنانيون تحت رحمة الغطاء السياسي لقوى الأمر الواقع التي بإمكانها إقفال "المدينة" عن بكرة أبيها ساعة تشاء. وتصبح الخطط الأمنية سواء إمتدت على شهر أو على سنة أو على عقد بلا مفعول طالما أن "التراضي" مفروض بالقوة أيضاً.