بو عزيزي التونسي بائع خضار متجول، جامعي، لم يجد عملاً ملائماً، عربته أمامه. واقف على الرصيف ينتظر رزقه، فقير، ربما ومن فقره يخجل من يديه. أو من عينيه. هامشي. ممحو. بلا صوت. بلا سلطة، مثقف من درجة معينة. غير منتم. غير ايديولوجي، قسماته حفر فيها الزمن باكراً. لأنه في عز شبابه. لا يريد أن يحتج. فربما بيعه خضار وهو جامعي أبلغ احتجاج. لا يريد أن يؤذي احداً. لا يريد أن ينتقم من أحد. قنع (وهو ينتظر ربما) بقدره. حتى هذا القدر الغلبان وجدت فيه الشرطية المعتمرة قبعة، كثيراً عليه. "انك متوقِف في مكان ممنوع" (صَمَت). هل عندك رخصة لبيع الخضار! (صَمَت) ربما وضع يديه في جيبه الفارغ. إذاً أرِني أوراقك. هويتك. (صَمَت) نظر ربما الى الأرض. لا يريد مواجهة أحد. جرّته. ولم يشجب. استدارت هذه الشرطية وصفعته أف! هنا تغير كل شيء. صعد الدم الى رأسه. مات فيه فجأة كل شيء. شعر أن العالم كله تخلى عنه. شعر أن السماء تخلّت عنه. شعر بأن ما تبقى له من "رجولة"، ومن كرامة.. سبقه الى الحضيض. لم يردّ على الشرطية لكنه انفجر وقلب عربة الخضار. جلب تنكة بنزين.. نظر حوله. ربما رأى السماء للمرة الأولى جميلة. أو غريبة. ربما تذكر أمه. أو أخوته. أو جيرانه. تذكر تونس كلها! ربما!َ لكنه تذكر الموت، فجأة الموت. فجأة النار. صبّ على جسمه البنزين: سحب عود ثقاب، أشعله، وأحرق نفسه. يقال أنه ظل واقفاً وهو يحترق. لم يركع. لم يصرخ. يقال أنه نظر جيداً الى النار وهي تلتهمه بلا شفقة.. لكن لم يكن يعرف أحد أن هذا الشاب اليائس الذي أحرق نفسه، سيكون فاتحة زمن جديد. فاتح الثورات العربية! كأنها النار التي أضاءت العالم كله. كأنه الجسد المحترق احرق عصراً كاملاً.
هذا بو عزيزي التونسي!
لكن عندنا بو عزيزي اللبناني، والصلة بين الاثنين النار.
البنزين. الحريق. الجسد. وبو عزيزنا اللبناني جهادي وأيديولوجي ومقاوم وعنفواني ومنتصر وذو سلطة ومؤمن (!) أي كل ما "يصنع" "البطولة" في زمن القتل، بو عزيزنا اللبناني لم يحرق نفسه احتجاجاً على ظلم "السلطة" "العدوانية". ولم يصب البنزين على رأسه ومناخيره وبنطلونه ويديه. بو عزيزنا اقتنى مع الأبطال الآخرين دواليب وبنزيناً. وقداحات ومولوتوف وكراهية وهجموا. كان الهجوم جزءاً من خطة، أداروا الدواليب ورموها على مدخل تلفزيون نيو تي في.. وأحرقوها. وأحرقوا المدخل. لم يحرقوا أنفسهم كبو عزيزي التونسي. ولكن أصاب "البطل" اللبناني.. ما أصاب بو عزيزي "احترق بعضه بالنار التي اشعل بها المبنى، احترق بنار كان يريد ان يحرق بها غيره".
بو عزيزي التونسي قال: احتج وحدي ولا أمس أحداً بأذى. بو عزيزي اللبناني عدواني، وهو بطل له تاريخ في اشعال الحرائق والدواليب وصناديق النفايات وفنون العنفوان.. آثر بو عزيزنا أن يقتل المكان. الناس. الحرية. الاعلام. آثر بالنار أن يثير فتنة. عند بو عزيزي التونسي: النار مطهرة. النار شعلة حرية. تضحية بالنفس. كرامة، إباء، عز. أما عند بو عزيزي اللبناني الذي احرقته النار الذي كان يريد اشعال بلاده بها، فجهاده بالنار ضد الحرية. وضد الكرامة. جهاده بالنار من أجل الغير الخارجي. بو عزيزي التونسي كان يبيع ناسه الخضار على عربة ليس فيها لا خناجر ولا سكاكين ولا مولوتوف. ولم يكن عنده سيارة رباعية الدفع وبلا رقم. أخونا البوعزيزي اللبناني حمل الدواليب.. ليحرق أهله.. فبو عزيزنا بطل "إلهي".. وبو عزيزي التونسي رجل "عادي" ولأن بتوعنا إلهي فعليه أن يكمل الحريق. (ربما متأثراً بثقافة سدوم وعمورة). بو عزيزي التونسي فتح طريق الحرية. نهض الشعب حوله حول استشهاده ليسقط الطغاة. وبشر بفجر جديد. أما بو عزيزنا اللبناني (وبحكمة التخريب الإلهية) فقد انتفض ناسه حوله، مجددين تكريسه "بطلاً".. وأكملوا طريقه، بعدما قبع في المستشفى محترقاً، أو في السجن. السجن للمجرمين وبو عزيزنا بطل وقائد سرايا. وكل من يحرق الدواليب لاثارة الفتنة بطل.
أصحاب بو عزيزي التونسي ملأوا الشوارع بالهتافات السلمية، ومن أجل تونس أخرى. أصحاب بو عزيزي اللبناني، تدججوا بالسلاح وصالوا وجالوا قرب التلفزيونات مهددين. يريدون قمع الحرية.. والقضاء على لبناننهم. أصحاب بو عزيزي اللبناني.. قطعوا الطرقات بالدواليب. وبالنفايات المشتعلة. اصحاب بو عزيزي اللبناني عطلوا البلد كرمى لنظام الاستبداد في سوريا. أصحاب بو عزيزي التونسي اسقطوا الطاغية.. وعبّدوا طريق اسقاط الطغاة وصولا الى بلاد الشام.. لأن الأحرار هناك هم ابناء بو عزيزي التونسي.. وأصحاب بو عزيزي اللبناني حلفاء… الطغاة! فأي فارق بين البوعزيزين! واحد يصنع قيوده. وجلاديه. وقتلته. وأدوات قمعه. وآخر يفك قيود الأمة العربية!
بو عزيزي التونسي اليوم في قلب كل ثائر عربي وعالمي حر وديموقراطي، في عين كل طفل. في ذكرى كل شهيد. في صميم كل وطن تحرر.. أو سيتحرر.
أما بو عزيزي اللبناني، حامل "النار" الالهية، فستجده غداً، ربما، على مفارق الطرقات والأزقة، ومحطات التلفزيون.. يحرق الدواليب، ليقطع شريان كل أمل، بتحرير بلاده. من المؤامرات، والقتل، والاغتيالات، والوصاية.
ـ بو عزيزنا وراءه ترسانة اسلحة موجهة على اهله.
ـ بو عزيزي التونسي امامه عربة خضار. مجرد عربة خضار.
ـ بو عزيزنا اللبناني وراءه العنف والغزو واحراق التلفزيونات والجرائد.. واحتلال المدن والساحات.
ـ بو عزيزي التونسي وراءه قلم. جامعة. فقر. حزن. شفافية. ورقة وكتاب.. ودفتر..
ـ بو عزيزنا اللبناني ينشر الخوف والرعب والعنف والتشبيح
ـ بو عزيزي التونسي يمثل الخوف، والقلق، والصمت، والانتظار. والحنان. لكنه يكتنز "الثورة"، الخروج، التمرد!
ـ بو عزيزي التونسي أحب وطنه، برغم فقره، حتى الشهادة.
ـ بو عزيزي اللبناني.. يحب وطناً آخر.. برغم قوته وسيطرته. وينتمي الى وطن آخر.. والى نظام آخر.
انهما واحد يحرق نفسه لكي لا يحرق الآخرين، وهو التونسي! وآخر يحرق الآخرين لكي لا يحرق نفسه!
ـ بو عزيزنا اللبناني عابر يحمل دولاباً عابراً ودخاناً عابراً وسلاحاً عابراً.. وفكراً عابراً.. وبو عزيزنا التونسي رمز خالد في كل التواريخ المقبلة. في كل الثورات الانسانية المقبلة…