يوماً بعد يوم، يتأكد اللبنانيون أن بلدهم يقترب من الدخول في نفق أمني مظلم، نفق بدأت تباشيره تلوح عبر الفلتان المنتشر في كل شارع وحي ومنطقة، وسط عجز الأجهزة الامنية والقوى المسلّحة الشرعية ليس فقط عن وضع حدٍّ للمخلّين بالأمن ومعاقبتهم، إنما عن رفع الصوت في وجههم، وحفظ ما تبقى من ماء وجه السلطة القيّمة على شؤون الناس.
ويوماً بعد يوم أيضاً، يتأكد اللبنانيون أن امنهم هو امن الصدفة، امن "يتصدق" به السياسيون عليم متى ارادوا، ويحرمونهم اياه بإرادتهم ايضاً، والمشكلة وسبل معالجتها في وادٍ، والدولة في وادٍ آخر، بإعتبار أن الدولة الممثلة بحكومة "كل من إيدو إلو" نأت بنفسها عمّا يجري من تسيّب أمني وتهديد لحياة المواطنين، لأن أصحاب القرار الحاسم فيها يستفيدون من هذا الواقع.
طبعاً ليس بوسع الأجهزة بأن تفعل أكثر مما تفعله الآن، ولعل عجزها عن ضبط الأمور على الأرض وعدم قدرتها حتى على فتح طريق رئيسية وحيوية مثل طريق المطار، هو خير دليل على أن الدولة فقدت هيبتها وسلطتها، وحتى قدرتها على حماية نفسها قبل حماية المواطنين، وهذا ما يشكّل الطامة الكبرى للناس المفجوعين الذين كانوا يجدون في الدولة ملاذهم الأخير، والذين سألوا بالأمس، "إذا كانت الدولة مرعوبة ممن يستبيحون الأرض ويستعرضون عضلاتهم وسلاحهم أمامها، فمن يحمينا من زعرنات هؤلاء؟".
ومعلوم لدى بسطاء الناس أن القوى السياسية المستقوية بسلاحها على باقي اللبنانيين، هي من "يستوطي حيط الدولة"، وليس أدل على ذلك من ردّ هؤلاء على كلام رئيس الجمهورية في جلسة مجلس الوزراء بحضور المراجع العسكرية والأمنية والقضائية، عندما أكد مراراً منع قطع طريق المطار تحت أي سبب، ليأتي الردّ عليه بعد دقائق بقطع طريق نفق سليم سلام ومستديرة شاتيلا، وهما الطريقان الرئيسيان اللذان يربطان العاصمة بالمطار، في تحدّ واضح وفاضح حتى لرئيس البلاد، الذي تلقى تعهداً من وزراء القوى التي تحمي قطاع الطرق بأن لا غطاء على أحد، واعتبارهم من يقوم بذلك مجرّد "زعران" يجب قمعهم.
وإذا كان الأمن المفقود لا يعود بالتصريحات والتعهدات التي تقول بالعلن شيئاً وفي المضمون تقوم بشيء آخر، فإن من حق المواطن أن يسأل عن جدوى الخطة الأمنية التي بدأت أول من أمس وما حققته ويمكن أن تحققه أكثر مما هو معتاد، ومن حق الناس أن يعرفوا ما إذا كانت المشكلة الأمنية في لبنان هي في من يقود سيارته من دون أن يضع حزام الأمان، أو من يقود دراجته من دون خوذة، أو من لم يدفع رسوم الميكانيك أو بمن تخطى بسيارته السرعة المحددة، أو يسير في الطريق من دون أوراق ثبوتية رغم أنها إجراءات مطلوبة، في حين أن المعالجة المطلوبة عاجلاً يفترض أن تتخذ منحى مختلفاً بحيث تحسم أمرها في حلّ مشكلة السلاح غير الخاضع لأمرة الدولة والذي "يفرّخ" أسلحة في كل المناطق، وأن تضرب بيد من حديد كل مظاهر الإستعراض المسلّح والتصرفات التي باتت تشكل حالة رعب لدى الشعب، على شاكلة ما حصل أمس بين منطقتي سبيرز وزقاق البلاط عندما حضرت قوّة مدججة بالسلاح وأخرجت المسؤول في "سرايا المقاومة" عبدالعزيز قاسم، (قائد المجموعة التي أضرمت النار بمدخل تلفزيون "الجديد" وحاولت إحراقه بالكامل) من القنطاري بموكب سيارات جال به في الحمراء وأمام وزارة الداخلية، قبل أن يصل هذا الموكب بطريقة مخيفة الى زقاق البلاط، وبما أثاره من ذعر في نفوس المواطنين الذين شاهدوا المسلحين يخرجون برشاشات الـ(بي كا سي) من نوافذ سيارات الموكب التسع الرباعية الدفع، وبما يشبه التحدي السافر ليس للناس فقط إنما بالدرجة الأولى للدولة وكل مؤسساتها.
هذه الحالة المقلقة تناولها مرجع أمني، حيث أوضح أن "الفلتان الأمني الحاصل مسؤولة عنه كل القوى السياسية التي تحمي الجماعات التي تفتعل الحوادث المتنقلة". وقال لـ"المستقبل": "إن الأوضاع الأمنية في لبنان غير مثالية، لكن هناك إرادة بعدم الإستسلام لهذا الواقع، وهو ما يدفعنا الى الإصرار أكثر فاكثر على المضي بالإجراءات الأمنية التي تطبق".
ورداً على سؤال عن جدوى الخطة الأمنية التي بدأت (أول من أمس) وواجهتها قوى الأمر الواقع بإشتباكات مسلحة وقطع طريق المطار وطرق بيروت، أجاب "نحن لم نكن متفائلين بأننا سننتقل الى حالة أمنية نموذجية ووضع ذهبي على الفور، المقصود إيصال رسالة بأن الأمور ليست متروكة لقطّاع الطرق، وأن نبدأ إنتقالاً تدريجياً نحو الأفضل مع أننا لا نسقط من حساباتنا إحتمال المفاجآت، والآن بعد أن أخذنا تغطية سياسية من مجلس الوزراء سيكون التحرك على الأرض أكثر فعالية". مؤكداً أن "ليس هناك قرار بتفجير الوضع في البلد لا داخلياً ولا خارجياً". وأوضح "كلما ربحنا 24 ساعة هادئة أو بفلتان أمني محدود هو ربح إضافي، خصوصاً وأننا نتأثر بوضع المنطقة غير الطبيعي".
أما الخبير العسكري والإستراتيجي العميد المتقاعد الياس حنا، فرأى أن "غياب الدولة المركزية هو السبب الرئيسي لما يحصل من فلتان أمني هنا وهناك". وأكد لـ"المستقبل" أن "القرار السياسي في مكان والقرار الأمني في مكان آخر وهما لا يسيران مع بعضهما البعض، خصوصاً أن هناك تناقضاً بالأهداف السياسية". ولفت الى "وجود خلاف جوهري على مفهوم الدولة وصيغتها وشكلها أكثر مما هو خلاف على الإستراتيجية الدفاعية، وهذا ما يجعل الأزمة طويلة جداً". ورداً على سؤال عمّا إذا كان إنتهاء الأزمة السورية سيؤثر على لبنان إيجاباً، قال: "بالتأكيد لكن الأزمة السورية طويلة، ولنفترض أن النظام السوري سقط الآن، فإننا نحتاج الى ما بين ثلاث وخمس سنوات كمرحلة إنتقالية حتى تستقر الأوضاع فيها ولبنان سيبقى معلقاً الى حين إستقرار سوريا بشكل شبه كامل".