"اختاري الحب أو اللاحب
فجبن الا تختاري
لا توجد منطقة وسطى
ما بين الجنة والنار"
(نزار قباني)
هانا ارندت
"الحقيقة المحزنة هي ان معظم الشرور يرتكبها أناس لم يقرروا بعد سلوك طريق الخير أو طريق الشر!"
"إن كان الإجرام يعبّر عن الشر عند البشر، فلا شيء كالنفاق يعبّر عن العفن!".
المنافق
في البحث عن المعنى الاساسي لكلمة منافق نرى التوصيف التالي:
إنه الإنسان الذي يدّعي العفّة وتبني النهج الانساني الحميد، أو يمارس التقى الديني ويتحدث عن الصراط المستقيم وغيرها من الفرضيات الايجابية، في حين أنه في الواقع لا يتمتع بأي منها خصوصاً عند الممارسة. يعني انه يظهر امام الناس بكل الصفات المحببة لهم، في حين ان حياته الخاصة وقناعاته وأقواله الحميمة تؤكد عكس ذلك.
جوليان بول اسانج:
بصراحة أنا أريد أن أعلن اعجابي وتأييدي للجهود التي يقوم بها في مسألة "سواد الوجه" الذي يمارسه، فالوقائع تؤكد انه لا يستهدف فئة دون أخرى، وليس بالضرورة انه جزء من مؤامرة عالمية على فئة دون اخرى، ولكنه حقيقة يمثل نوعا من متطرفي مبدأ "الشفافية في الحكم" في مواجهة منطق "اسرار الدولة"، يعني أنه اراد ان يقول إنه في ظل المنطق الديموقراطي والحريات لا يمكن الاستمرار في مبدأ النفاق على الناس وإيهام رجال السياسة لهم بأنهم يكذبون لمصلحة الوطن والأمة والشعب!".
لا أريد هنا الدخول في اسباب لجوء أسانج الى حملة "ويكيليكس"، فقد تكون له أسباب خاصة، أو ملتوية، وقد يكون ما اتهم به من جرائم اغتصاب صحيحاً فطرح الفضائح ليغطي "السماوات بالقباوات"، أو قد تكون التهمة اختُرعت لإسكاته، وقد يكون مجرد فوضوي أو منتفع أو ساع الى الشهرة أو جزء من مؤامرة أكبر من ذلك، ولكن النتيجة هي أنه وضع الناس امام حقائق لم يتجرأ أحد من المعنيين على إنكارها.
"العجيب"
من ضمن ما فضحته "ويكيليكس" كان حديثاً لرئيس الحكومة الحالي يقول فيه "ان حزب الله هو ورم خبيث أو حميد ويجب استئصاله والا يقضي على جسم الوطن!". بالطبع فقد يقول دولته "شو وقفت عليي؟!"، وقد يكون على حق، فقد نشرت أقوال أكثر إثارة على لسان الرئيس نبيه بري والوزير محمد خليفة بخصوص "حزب الله"، وهما، كدولته، من حلفاء الحزب المقدس.
ولكن المسار "العجيب" لدولته كان لافتاً منذ ظهر من عالم الغيب بالتزامن مع صعود نجم شريكه التجاري كوريث لعرش سوريا. وقد كان ذلك جزءاً من تفريخ مجموعة من الشخصيات لمنافسة رفيق الحريري، وكلها تبين لاحقاً هزالها بالمقارنة معه مما سرع في قرار اغتياله.
ما لنا وكل ذلك الاستطراد، ولكن الصفة المعروفة لدولته في مدينته طرابلس مشابهة لما قاله يوماً الشاعر محمود بيرم التونسي بلسان ام كلثوم "توعدني بسنين وايام وتجيني بحجج وكلام، وتسلم وتمر أوام أو تخلف وتقول نسيت!".
وسطية:
الواقع انه حتى اختراع "الوسطية" التي اتحفنا بها دولته ما هو الا وسيلة للتهرب من مسؤولية الموقف. ومن خلال هذا الطرح "العجيب" اراد دولته ان يقنعنا بأنه بين الخير والشر، والظلم والعدل، والمجرم والضحية، والفوضى والنظام… توجد دائماً منطقة وسطى، ولكن "العجيب" هو القفز بين موقوفين متناقضين بين قوله بأن "حزب الله" ورم خبيث ومن ثم يسمي سلاحه (وهو حزب السلاح) مقدساً، يعني ان الخبث اصبح مقدساً!
الحقيقة هي ان دولته يعبر بوضوح هنا عن مكنوناته الأخلاقية السياسية، وهو من حفظة منطق "ميكيافلي" في السياسة وهي ان الخبث يصبح مقدساً ان كان "الأمير" بحاجة اليه.
ولو راجعنا مسار دولته من قول الشيء وعكسه وفعل الشيء وعكسه وإطلاق الوعود ونكثها وتسطير العهود والانقلاب عليها لفهمنا بوضوح ما هي وسطيته، إنها تماماً ما تحدثت عنه هانا ارندت في حديثها عن أن أعظم الشرور هي التي يرتكبها اصحاب المواقف الملتبسة، اللافت ان هؤلاء قد يظهرون في غاية الجاذبية والاقناع لفترة من الزمن الى ان تأتي ساعة الحقيقة عندما تصبح "الحياة وقفة عز فقط" وعندها "تبيضّ وجوه وتسودّ وجوه".