احتار اللبنانيون، وقبلهم المحللون والسياسيون والمراقبون، في تفسير هذا الجنون الأمني الذي عاشته بيروت منذ بداية الأسبوع، هل أن أسبابه سياسية وداخلية أم أن له خلفيات وأبعاداً خارجية متصلة بارتدادات الأزمة السورية على الداخل اللبناني الذي يشكل نموذجاً سهلاً للرسائل بين الدول، أم أنه بكل بساطة يعود الى الاهتراء الذي تعيشه الحياة السياسية اللبنانية والذي ضرب مؤسسات البلد، نتيجة التفاوت الكبير في ممارسات القوى السياسية بين شعاراتها الكبرى، والكونية والأيديولوجية، وبين مقتضيات التعبئة السياسية التي تخوضها في الشوارع والأزمة. وهي شوارع وأزقة يبلغ تحريض جمهورها وحقنه مرحلة تضيق معها بهذا الجمهور فينفجر بها وخارجها.
قيل الكثير عن خلفيات الهجوم على تلفزيون «الجديد» ومحاولة إحراقه من قبل مجموعات تدين بالولاء عادة لحركة «أمل» و»حزب الله»، خصوصاً للأخير. ومما قيل إن الحزب أراد إفهام من أصروا على مناقشة سلاحه على طاولة الحوار أن لهذا عواقب وأن الحزب أراد القيام باستعراض هو أكثر من ظهور «القمصان السود» مطلع عام 2011 الذي أدى الى استبعاد سعد الحريري عن رئاسة الحكومة وأقل من 7 أيار (مايو) 2008 حين اجتاح بيروت. وقيل إن إيران التي كانت تتردد في الاستجابة لطلبات حليفها في دمشق الرد على وقوف دول ضد النظام السوري على الساحة اللبنانية عبر تقويض الأمن اللبناني، عادت فقررت تنفيذ «بروفة» أمنية عبر الحزب ومناصريها، رداً على محاولات البحث الدولي في مصير الرئيس بشار الأسد من دون التشاور معها وأنها ترد بذلك على استبعادها من اجتماع مجموعة الاتصال في شأن سورية في جنيف غداً السبت، وأنها تنبه بذلك موسكو الى مغبة التفرد في أي صفقة حول سورية، بعد رفض دول الـ1+5 التفاوض معها على الأزمة السورية أثناء المحادثات الأخيرة في شأن ملفها النووي، لإحجامها عن الدخول في تسوية مع طهران على نفوذها الإقليمي… وقيل أيضاً إن طهران شاءت تنبيه تركيا الى ما تملكه من أوراق إقليمية، إذا ما قررت أنقرة تصعيد موقفها في الصراع الإقليمي على سورية…
وعلى رغم أن لدى اللبنانيين قابلية الانسياق وراء تضخيم خلفيات الأحداث وربطها بالقضايا الكونية، وعلى رغم أن بعض الوقائع الصحيحة قد تقودهم الى تصديق بعض هذه التحليلات وأن خيالهم يمكن أن يذهب بهم الى ما يشبهها، فإن رد فعل اللبنانيين على ما عاشته بيروت أهمل التأويلات الاستراتيجية لما قام به شبيبة بعض الأزقة وتقويضهم الأمن على هذا الشكل المخزي، تماماً مثلما أهمل أهالي طرابلس قبل أسابيع تلك التحليلات التي ربطت تقويض أمنهم بالتأزم الإقليمي.
وبمعزل عن درجة الصحة والمعقولية في هذا التفسير أو ذاك لاستباحة محطة تلفزيونية، ثم إشعال العاصمة رداً على توقيف أحد المشاركين في الجريمة، فإن القاعدة الذهبية التي لا تخطئ في إدراك أسباب الفلتان الأمني تقول إن ما من قوة حزبية تعمل على إطلاق مظاهر ميليشيوية إلا وستقع أسيرة لها فلا تعود قادرة على ضبطها، مهما كانت سطوتها.
سبق لأحزاب كثيرة تجلس الى الطاولة نفسها مع «حزب الله»، أن اختبرت هذه القاعدة الذهبية إبان الحرب الأهلية بين 1975 و1989 وحصدت نتائج تربيتها الغول الميليشيوي عواقب وخيمة عليها وعلى طوائفها ومناطقها، تحت ظل شعارات كبرى تلطى بها مجرمون وفارضو خوات وشذاذ آفاق ومهربو مخدرات وطائفيون متعصبون وفاشلون استباحوا المجتمع… وأسقطوا مؤسسات الدولة.
لا يختلف اليوم عن الأمس، على رغم الهدف النبيل الذي كان سبب نشوء القوة الأساسية صاحبة النفوذ على الأرض، أي «حزب الله»، وهو مقاومة الاحتلال الإسرائيلي ونجاح الحزب في دحره والصمود في وجه عدوانه. فواقع الحال أن حاجة الحزب الى تبرير استمرار سلاحه وتطويره الى ما هو أبعد من هذا الهدف تتطلب تحوله سلطة تحمي ما هو فائض عن هذا الهدف وتستوجب تعبئة تفوق تلك التي يحتاجها وتفرض تساهلاً مع الظواهر الميلشيوية المنبثقة من «جمهور المقاومة»، ذي الخلفية المذهبية والمناطقية أكثر مما يمكن لهذا الجمهور أن يحتمله، بدليل التململ الذي يزداد اتساعاً ضمن الطائفة الشيعية حيال العبث الأمني والاجتماعي الذي تشهده بعض المناطق، في ظل ضرب هيبة الدولة وعملية استباحتها بالقوة المسلحة.
تستوجب التعبئة مثلاً، مساندة مكشوفة، لا تلبث أن تثبت خطأها، للنظام السوري في مواجهة شعبه. وتفرض تضخيماً للمراهنات الخاطئة واختراع النظريات الساذجة والمتناقضة عن المعادلات الإقليمية والدولية وتبعاتها المحلية.
وحين يسمع المرء كيف يتناول البعض ما ينتظره ممانعون من مجموعة «بريكس» في قلب المعادلة الدولية الراهنة لمصلحة نظام الأسد وإيران وحلفائهما، يسهل عليه فهم أسباب خروج مجموعات شبابية من حي زقاق البلاط في بيروت لقطع الطرق بالدواليب المشتعلة، فهؤلاء موعودون بالغلبة والانتصار في كل الأحوال.