يلعب "حزب الله" عند حافة الهاوية، سياسيّاً وأمنيّاً، ولكن يُخطئ مَن يظنّ أنّه لا يكترث لمخاطر اندلاع الفتنة، إنّه أكثر الخائفين منها ونقطة القوة عنده كانت دائماً في إدراكه أنّ الفتنة لن تقع، لكنّه بدأ يدرس العناصر التي لم تكُن سابقاً في الحسبان.
يخشى "حزب الله" تكريس صورته كـ"بيئة حاضنة" للفوضى والفلتان الأمني. لذلك، تقصّد أخيراً دعوة "الدولة" ووزاراتها وقواها الأمنية إلى معقله في الضاحية… فلا تكتفي بمخافر قليلة وبعض شرطة السير!
بدأ "الحزب" يستشرف المخاطر الداهمة من باب الأمن، وأحداث الأيّام الأخيرة مخيفة. ولا يصدِّق الكثيرون، أو لا يريدون أن يصدّقوا، أنّ "حزب الله" القادر على ضبط كل شيء وجميع الناس في مناطقه، عاجز عن منع إقفال طريق المطار أو أي طريق أخرى في العاصمة أو الخط الساحلي جنوباً، ولو للاحتجاج على انقطاع الكهرباء.
ولا يقتنع آخرون بأنّ ظاهرة الاحتجاجات المتمادية بقطع الطرق، تضامناً مع وسام علاء الدين، أكبر من قدرة "الحزب" على ضبطها.
بدا "حزب الله"، وطبعاً حركة "أمل"، منزعجين من الفلتان، إلى حدّ الحديث عن فتوى شرعية تحَرِّم إقفال الطرق وإبلاغ الجميع بأنّ لا غطاء سياسيّاً لأحد. والدعوات التي تلقّتها مراجع رسمية، أمنية وخدماتية، من "الحزب" للقيام بدور في مناطق سيطرته، تحمل طابع الجدّية والإلحاح.
والكلام العالي النبرة الذي أطلقه رئيس الجمهورية قبل يومين، مخاطباً المعنيين بالأمن والخدمات للقيام بدورهم في منع الفلتان، بعد كلام لوزير الداخلية، كان نتيجة "كارت بلانش" من "حزب الله": تعالوا، نحن نحتاج إليكم، صدِّقونا!
ويُفترض بالأجهزة والقوى الأمنية أن تُصَدّق "الحزب"… إلى حدّ معقول على الأقل. لكن المثير هو أنّها تبدو خائفة أو متردّدة أو عاجزة عن أداء دورها، على رغم كلّ هذه الدعوات و"التغطيات السياسية" مثلاً: باستثناء توقيف علاء الدين الذي تمكّن المواطنون من القبض عليه صدفة، بفعل اندلاع حريق في رجله، خلال الاعتداء على تلفزيون "الجديد"، لم تتحرّك الأجهزة لاعتقال أيّ من رفاقه المفترض أنّهم معروفون.
وعلى العكس من ذلك، وقفت القوى الأمنية عاجزة حتّى عن وقف الارتكابات المتمادية بقطع الطرق احتجاجاً على توقيف المعتدي. ومن المؤكّد أنّ هذه القوى والأجهزة تدرك بالأسماء والعناوين من هم "رفاق" علاء الدين المتضامنون معه، لكنّها لا تتصرّف.
ويوحي ذلك بأنّ بعض الدولة يتمنّى لو لم يُلقَ القبض على علاء الدين. وهذا البعض يفضّل في قرارة نفسه لو يتمّ إخلاء سبيله "من دون وجع رأس".
الخوف من "فائض القوة"
ثمّة مَن يؤكّد أنّ هذه الحدود من الفلتان بدأت تزعج "حزب الله" وتثير قلقه، فهو يريد إبقاء صورته كتنظيم عسكري – أمني – سياسي – عقائدي – خدماتي لا أحد يخرقه، لكنّ هذه "القلعة المقفلة" بدأت تخرقها الهواجس. فهي تتحوّل مرتعاً لفلتان ليس موجوداً في مناطق أخرى. ومن مظاهر الفلتان، الاشتباكات العائلية الأخيرة في الضاحية، والتي فوجئ الجميع بحجم السلاح فيها.
يُريد "حزب الله" سلاحه بكل تأكيد، ويريد عدم المسّ بأيّ من عناصر "هيبته". لكنّ "فائض القوة" الذي يستفيد منه آخرون لـ"يفتحوا على حسابهم" يؤذيه. ولهذا يستنجد اليوم بالسلطة.
وفي الظرف الإقليمي الصعب ونموّ السلفيات السنّية في لبنان وسائر بلدان المنطقة، يدرس "حزب الله" خياراته جيداً: لا مجالَ لأخطاء صغيرة تؤدّي إلى فتنة مذهبية حارقة.
يريد "الحزب" طاولة الحوار للحدّ من الصورة المؤذية التي لحقت به منذ 7 أيار 2008، ومن ثمّ إسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري.
ولهذه الغاية، هو "يتمرّس" خلف الوسطيّة التي يمثّلها الرئيس ميشال سليمان ورئيس الحكومة وبعض وزرائها.
وهو إذ يناور ويوجّه الرسائل من خلال الكثير من الأحداث الأمنية في الشمال والعاصمة وسواهما، يحاذر الوقوع في مطبّ الفلتان. فهناك خيط رفيع يلتزمه بين "عرض العضلات" و"الفلتان".
ومارد الفوضى عندما يخرج من القمقم، قد يرافقه مارد السلفيّات الدينية السنّية. وبينهما قد ينقلب السحر على الساحر وتصبح الفتنة المذهبية أمراً واقعاً لا ضوابط له.
وهنا يخاف "حزب الله" كثيراً، وهو اعتاد في الأعوام الأخيرة اللعب عند حافة الهاوية، لأنّه يُدرك أنّ الفتنة ممنوعة عربيّاً ودوليّاً. وهو مطمئِنّ إلى أنّ طاولة الحوار تساعد في ذلك، لكنّه بدأ يخشى انفلات اللعبة أو دخول عناصر غير متوقّعة عليها، وما أكثرها في صندوق البريد اللبناني.