من صميم قاموس المفردات السياسية اللبنانية تأتي عبارة «رفع الغطاء» التي يتداولها الإعلام بكثرة.
المقصود بـ «رفع الغطاء» هو الرخصة الموقتة التي تمنحها جماعة أهلية (طائفة أو حزب او تيار) لأجهزة الدولة كي تؤدي هذه دورها… كـ «دولة». بكلمات أخرى، أن تتخلى الجماعة عن مهمتها في رعاية أبنائها وحمايتهم لفترة قصيرة من الوقت وتضحي ببعض من أسرف في استفزار ابناء الجماعات الأخرى، حفظاً للمصلحة الأبعد للفئة التي أعلنت التنازل. ويفترض أن تُبرئ العملية الاستئصالية التي وافق المتنازلون عليها، الجماعة من كل الآثام التي ارتكبها «الزعران» او الخارجون عن رضا الأهل والقيادة الطائفية المُعتَبَرة أشد الاعتبار وأعمقه في موازين السياسات اللبنانية.
بيد أن الطوائف وممثليها السياسيين لا يفعلون في هذه الممارسة غير تأكيد تفوق سلطانهم على سلطان الدولة وإبلاغ مناصريهم أن مآلاتهم ومصائرهم بل تفاصيل معاشهم ومماتهم، ما زالت في أيدي القائمين على أمورهم وأن القيادات الطائفية – الحزبية – السياسية هي التي تحمي رهط التابعين من التعرض لعواقب أي خروج قد يقدمون عليه عن إطار قانون الدولة. فهذه، باعتبارها اطاراً فضفاضاً لا تجد لإظهار سطوتها عليهم غير شذر اللبنانيين ومذرهم ممن حرمتهم طوائفهم من حمايتها وأوجه نعيمها الأخرى او ممن تمردوا على مكرمات الجماعات وانكروا جميلها عليهم واختاروا التيه في الصحراء اللبنانية بدل الدخول الى أرض الميعاد الطائفية والتلذذ بلبنها وعسلها وحماية شبكاتها الاجتماعية.
في المقابل، يوفر «الغطاء» الشهير الحق لكل من تسربل به والتحف، القدرة على الوقوف خارج القانون الساري طالما ان جماعته تقرّه على سلوكه. فها هم المسلحون يصولون ويجولون من أقاصي البلاد الى أقاصيها من دون أن يجرؤ جيش او أمن على النظر في عيونهم. علة ذلك ان «الغطاء» مؤمن لهم من قيادات هي شريكة مساهمة في كونفيديرالية الطوائف المسماة الجمهورية اللبنانية.
ويداخل التعقيد آلية مد الأغطية ورفعها عندما ترى دول اقليمية معلومة مصلحة لها في العبث في الملعب اللبناني. ورغم أن وزيرين من «حزب الله» وحركة «امل» أعلنا عن رفع الغطاء عمن وصفهم أحدهما «بالزعران»، إلا ان مجاميع من هؤلاء انتشرت في شوارع العاصمة قاطعة الطرق ومطالبة بالافراج عن زميل لهم ضبط بالجرم المشهود اثناء محاولته احراق محطة تلفزيونية. وأعلن الانتشار الكثيف لأصدقاء الرجل وقدرتهم على الحركة والتنقل وترويع المواطنين أناء الليل وأطراف النهار، أن المحتجين يحظون بدفء غطاء آخر غير ذلك الذي كانت تقدمه لهم الجماعتان الأهليتان، وأن غطاءهم أمتن من ان تخترقه نسائم الشهر الامني الذي اعلنه وزير الداخلية. بل أنه مرتبط بمجريات ومقتضيات تتصل بالنظام السوري ومآزقه.
ينطبق الأمر ذاته على من قرر في صيدا قطع طريق الجنوب لاسترجاع كرامة اهدرها السلاح غير الشرعي، على زعمه. ما يحول دون اتخاذ قرار صارم من أجهزة الدولة في شأنه – جزئياً على الأقل – هو الاعتقاد بتمتعه «بغطاء» قد يكون من خارج الحدود، ما يزيد الحال تعقيداً على غموض. فلعبة الأحاجي والألغاز اللبنانية لا تحتمل تصدي المؤسسات الأمنية لظاهرة مذهبية مهما كانت خطيرة ما لم يتيقن الجميع ان ما من «غطاء» يحمي هذه الظاهرة.
وإلى ان يأتي الخبر اليقين، يكون قسم من المواطنين قضى نحبه بين الأغطية وفوقها وتحتها.