قبل انهيار الجمهورية الدستورية (بقلم المحامي جورج ابو صعب)

في خضم الفلتان الامني والسياسي والاعلامي المستشري – والانحرافات التي تشهدها البلاد في الاونة الاخيرة ان على الصعيد الامني او السياسي او المؤسساتي في الدولة – تستوقفنا هواجس لا بل مواضع قلق شديد ابرزتها وفعلتها أخيرا مناح خطيرة تضرب عرض الحائط بما تبقى من نظام دستوري ومؤسساتي للدولة اللبنانية.

ان اخطر ما نواجهه اليوم، ومن حيث يدري المسؤولون في الدولة او لا يدرون، هو التوجه الى ايجاد هيئات ومؤسسات رديفة للدولة تعزز بالتوازي دور السلاح الرديف وغير الشرعي المنتشر بدءاً من سلاح "حزب الله" ووصولا الى سلاح فصائل وجماعات في الشمال وبيروت ومناطق لبنانية اخرى.

فالى جانب الافلاس السياسي والوطني لحكومة "القمصان السود" – يتجلى بوضوح الانحراف الخطير الذي يسقط المؤسسات والدستور ويقضي على الانتظام العام في مؤسسات الجمهورية واجهزة الدولة.

1- طاولة الحوار بالشكل والمضمون هي بدعة سياسة غير دستورية لانها تتحول مع الوقت الى ىشبه مؤسسة رديفة لمؤسسات الدولة والمفترض دستوريا ان تكون مجلس الوزراء ومجلس النواب. ومن هنا تبرز الخطة المحكمة لقوى "8 اذار" – وفي طليعتهم "حزب الله "– القاضية بافراغ المؤسسات الدستورية من ادوارها وقدرتها على معالجة القضايا الوطنية كي يصار الى اضعاف تلك المؤسسات عبر لعبة السطو على الاكثرية الحقيقة الناجمة عن انتخابات نيابية شرعية جرت علم 2009 وتحويل المجلس النواب والحكومة الى مؤسسات مسيطر عليها كليا من قبل حزب "السلاح غير الشرعي" وقراره الاقليمي المعروف. فلا يعود بالامكان جعل الحوار بين اللبنانيين تحت سقف المؤسسات، ما يستدعي اضطرار الرئيس سليمان الى الدعوة الى طاولات حوار رديفة للمؤسسات الدستورية – لمعالجة ما ينبغي اصولا وقانونا ودستوريا على المؤسسات الدستورية معالجته من قضايا وملفات وطنية ومصيرية.

2- يضاف الى ذلك المنحى الانحرافي من قبل الحكومة بدءا من رئيسها الذي عرض تقديم استقالته لطاولة الحوار مخالفاً بذلك احكام الدستور ولا سيما المادة (53) منه التي تفرض على رئيس الحكومة تقديم استقالته لرئيس الجمهورية الذي يعود له منفردا اصدار المراسيم بقبول استقالة الحكومة او اعتبارها مستقيلة – ولاحكام المادة (69) التي تعتبر الحكومة مستقيلة في حال نزع الثقة منها من قبل المجلس النيابي بمبادرة منه او بناء على طرحها الثقة – بالاضافة الى مخالفات وزراء في الحكومة لاحكام الدستور ولطبيعة اليات سير المؤسسات الدستورية كما يفعل وزير الموارد المائية والكهربائية المفترض به وبحكم المادة (66) من الدستور تولي ادارة مصالح وزارته وتطبيق الانظمة والقوانين … وتحمل تبعات سياسته الحكومية العامة وتبعات تصرفاته الشخصية، في وقت يتصرف الوزير جبران باسيل وكأنه مستقل عن سياسة حكومته وامرا ناهيا بأمره من دون اي تنسيق او تقيد بتوجهات الحكومة التي ينتمي اليها والتي هي حكومة حليفه "حزب الله" – فضلا عن عشرات الملفات الفضائحية والكارثية التي لا يتسع مجال ذكرها كلها والتي باتت منشورة ومعروفة من الراي العام، ومنها استنكاف الوزير باسيل عن تطبيق القانون بما يخالف احكام المادة 66 اعلاه. وقد رفض الى الان تطبيق القانون الصادر عن مجلس النواب في ايلول 2011 باستنكافه عن اقتراح انشاء مجلس ادارة جديد لمؤسسة كهرباء لبنان خلال الشهرين من تاريخ صدور القانون المذكور، واستنكافه عن تشكيل الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء خلال 3 اشهر من تاريخ صدور القانون وهو الامر الذي لم ينفذه الى الان وصولا الى رفضه المتمادي في اعداد دفاتر الشروط لانشاء معمل الـ700 ميغاوات وكلها عينة عن مخالفات واضحة من الوزير لاحكام القانون والانظمة المولج دستوريا تطبيقها الزاميا، وانتقالا الى الوزير نقولا الصحناوي واستنكافه عن التقيد بقرار الهيئة القضائية التي وافقت على تسليم القوى الامنية حركة الاتصالات من خلال امتناعه المتمادي عن توقيع طلبات الحصول على حركة الاتصالات وتحويلها الى الشركتين المعنيتين لتسليم الداتا الى الاجهزة الامنية … وليس اخرا استنكاف الحكومة عن اقرار موازنة العامين 2011 و2012 – والتوجه الى اعتماد تقنيات سلف الخزينة التي تخالف احكام قانون المالية العامة واحكام الدستور ولا سيما المادة (83) التي تفرض كل عام وفي بدء عقد تشرين الاول على الحكومة التقدم من مجلس النواب بموازنة شاملة لنفقات الدولة ودخلها عن السنة القادمة ليتم الاقتراع على الموازنة (وليس السلفات ) بندا بندا .. في وقت تخالف الحكومة بتقنيات ملتوية لتهريب موازنة دستورية سنوية عبر سلفات بكامل نفقات سنة 2012 وتهريب اعتمادات الصرف عبر سلفات مخالفة لابسط مبدئي الوحدة والشمول في الموازنة التي ينص عليهما قانون المحاسبة العمومية – ما من شأنه تهريب الانفاق العمومي من اعين الرقابة الدستورية والمساءلة البرلمانية المتمثلة بمبدأ الاجازة من مجلس النواب للحكومة بالجباية والانفاق (المادة 3 من قانون المحاسبة العمومية – المرسوم رقم 14969 تاريخ 30/12/1963).

3- وفوق هذا كله اننا في لبنان في ازمة دولة … ومساواة … وسلطة : اذ في حين تنص مقدمة الدستور على ان الشعب مصدر السلطات وصاحب السيادة التي يمارسها عبر المؤسسات الدستورية، اذا بالسلاح غير الشرعي ينقلب على ارادة الشعب ويطيح بالمؤسسات الدستورية لتحييدها او افراغها عبر الاستيلاء بقوة السلاح على مفاصل الحياة الدستورية بحيث ان السلطات لا تعود تعبيرا عن ارادة الشعب وسيادته بل عن ارادة السلاح والسيادة – وفي حين تنص المقدمة على مبدأ الفصل بين السلطات وتعاونها وتوازنها – اذ بنا نشاهد تجربة الترويكا مجددا في الحكم بين الرئاسات الثلاث وتدخل رئيس مجلس النواب عند كل ازمة لتسوية ما مع الحكومة بما باتت معه سلطة رئيس مجلس النواب تفوق بكثير مجرد التعاون والتوازن الى ما هو اكثر (مثال تدخل الرئيس بري اكثر من مرة في موضوع ازمة الانفاق الحكومي ) – وفي حين يقول النص ان لا شرعية لاي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك اذا بالحكومة اليوم مثال فاضح على استتئثار فريق من اللبنانيين بمقدرات البلاد على حساب فريق اخر من اللبنانيين منه دون مراعاة للقوة التمثيلية للفريق اللبناني الواسع الذي هو خارج الحكم (استئثار اكثري شيعي ودرزي مع بعض المسيحيين في مقابل ابعاد اكثري سني وقسم هام من المسيحيين ) … نتيجة انقلاب على نتائج الانتخابات النيابية الدستورية – وفي حين تنص المادة (7) من الدستور على مساواة اللبنانيين لدى القانون وتمتعهم بالسواء بالحقوق المدنية والسياسية وتحملهم الفرائض والواجبات العامة دونما فرق بينهم – اذا بفريق من اللبنانيين يتمتع باعتراف الدولة بحقه في حمل سلاح غير شرعي واقرار الدولة له بحقه في مربعات امنية واستخباراتية وفي حصانة مواطنيه في وجه القضائين اللبناني والدولي (غياب دور القضاء في فضيحة الكابتاغون وتغاضي الدولة عن رفض حزب الله تسليم المطلوبين الاربعة من اعضائه ومسؤوليه الى المحكمة الدولية في ملف اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه) فضلا عن ظاهرة التفاوت وعدم التوازن في بسط الدولة لسطتها الامنية وسلطة القانون بين منطقة واخرى ما ساعد ويساعد على نمو الشعور بالغبن والتمييز وعدم المساواة، وما يؤدي وسيؤدي الى ازدياد مشاعر العداء والحقد بين اللبنانيين والمناطق والمذاهب والدولة … من دون التمييز بين منطقة واخرى في اداء الالتزامات الضريبية والتقيد بالقوانين بين منطقة واخرى وكل واحدة من لون طائفي او سياسي محدد.

يضاف الى ذلك انفصال قسم من اللبنانيين عن فكرة القبول بالدولة وتشكيكهم بها (حديث النائب محمد رعد حول ازمة ثقة الحزب بدولة تستغيث لا يؤمل بها ان تحكمي مواطنيها).

4- يضاف الى ذلك مخالفة الدستور والقوانين باتجاه خلق ازمة كينونة وسلطة سيادية خانقة وخطيرة تهدد بنسف ما تبقى من هيبة دولة وكيان وبسط سلطة شرعية فعلية على الارض. ففي حين وبموجب المادة (49) من الدستور، رئيس الجمهورية يرأس المجلس الاعلى للدفاع وهو القائد الاعلى للقوات المسلحة التي تخضع لسلطة مجلس الوزراء، وفي حين ان المادة (65) في فقرتها (2) تنص على سهر السلطة الاجرائية (اي مجلس الوزراء) على تنفيذ القوانين والانظمة والاشراف على اعمال كل اجهزة الدولة من ادارات ومؤسسات مدنية وعسكرية وامنية بلا استثناء – ما يعني خضوع امرة السلاح الشرعي للدولة بيد رئاسة الجمهورية والحكومة وتمتعهما بالتالي لوحدهما بسلطة الامرة العسكرية والامنية في البلاد. وفي ظل احكام قانون الدفاع الوطني (المرسوم الاشتراعي رقم 102 تاريخ 16/9/1983 وتعديلاته ) والتي تحدد حصريا على اراضي الجمهورية اللبنانية – مهام الجيش اللبناني بمواجهة الاحتلال الاسرائيلي واعتداءاته والدفاع عن الوطن والشعب ضد كل الاعتداءات ومواجهة كل التهديدات التي من شأنها ان تعرض مصالح البلد الحيوية للخطر والحفاظ على الامن الداخلي والاستقرار … اذ بحزب الله وميليشياته العسكرية وترسانته العسكرية غير الشرعية تقضم جزا كبيرا من الارض والدور بادعاء الدفاع عن لبنان في وجه الاعتداءات والاطماع الاسرائيلية وبادعاء قدسية سلاحه وديمومته الى حين زوال اسرائيل (تقيدا بعقيدة النظام الايراني المعلنة بازالة اسرائيل من الوجود )- فاذا بالسلاح غير الشرعي على الاراضي اللبنانية ينافس ويزاحم السلطة الشرعية لسلاح الدولة واذا بقانون الدفاع واحكام الدستور تضرب عرض الحائط بفعل تمتع حزب الله وسلاحه الشرعي بميزتي الامساك الفعلي على الارض بقرار السلم والحرب (تجربة 2006) والقدرة العسكرية الفائقة (فائض القوة) في فرض معادلاته على الدولة وفرض هيمنته على قرار السلطة السياسية والعسكرية الشرعية من دون نسيان الحق الخاص لـ"حزب الله" بشبكة اتصالاته الخاصة وشبكاته الامنية المخابراتية في كل المناطق اللبنانية – ما أدى وسيؤدي اكثر فاكثر الى تعزيز التسلح المقابل من ابناء الوطن سيما في ظل العجز الخطير للدولة والمؤسسات في حماية المواطنين من بعضهم وفي اعادة الثقة بالمؤسسات والنظام وهيبة الدولة. (فيكفي التذكير بتهريب حزب الله لابو عرب امام قوى الجيش اللبناني والامن الداخلي في وضح النهار وهو المطلوب بجرائم ليس اقلها ضلوعه في الاعتداء على قناة الجديد وفي عز اليوم الاول من الشهر الامني).
وقد وصل الامر بـ"حزب الله" وحركة "امل" الى حد تحدي الدولة وهيبتها الامنية بتاريخ 27 حزيران 2012 من خلال انتشار سرايا المقاومة في شارع الحمرا وعدد من شوارع بيروت وبحوزتهم اطارات جاهزة للاشعال لقطع اوصال العاصمة للضغط على السلطة الشرعية والامنية وتحديها لاطلاق سراح الموقوف في حادثة الاعتداء على قناة "الجديد" وسام علاء الدين – وقد رفض "الحزب" ومعه الحركة تسليم المطلوبين الاخرين الى القضاء المختص وامنوا الغطاء السياسي والامني للفاعلين

5- وفي السياق نفسه ثمة خطر كبير يتهدد السلطة القضائية الدستورية في لبنان وقد نصت المادة (20) من الدستور على ان القضاء سلطة، ونص على استقلال القضاة في اجراء وظيفتهم وعلى حفظ القوانين لضمانات القضاة والمتقاضين – فاذا بـ"حزب الله" يضرب عرض الحائط القضاء اللبناني في اكثر من محطة ليس اقلها على سبيل المثال لا الحصر: منع القضاء من السير قدما في فضيحة دواء الكابتاغون المزور وغياب اي متابعة للقضية تمهيدا لمحاكمة الفاعلين وانزال اشد العقاب لتهديدهم الامن الاجتماعي والصحي للبنانيين – ورفض التعاون مع القضائين اللبناني والدولي في تسليم الموقوفين الاربعة من كوادره في قضية جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه في لاهاي – واخيرا ما تكشفّت عنه المعلومات والتي كانت موضع سؤال النائب ايلي كيروز للحكومة حول غياب الاجهزة القضائية والامنية من تحقيقات "حزب الله" مع المسؤولين الحزبيين الثلاثة المتهمين بالعمالة – وقد كان السيد حسن نصرالله نفسه قد كشف عن ان الاجهزة الامنية للحزب اكتشفت وجود ثلاثة مسؤولين من "الحزب" يتعاملون مع اجهزة استخبارية اجنبية ومنها الاجهزة الاستخبارية المركزية الاميركية، في وقت اعلن وزير العدل شكيب قرطباوي عدم علمه بهذه التوقيفات والتحقيقات لغياب اي ملف قضائي في الموضوع.
واخيرا مثال الفصل الجديد من التكابر والاستكبار على القانون والقضاء ما تكشفت عنه فضيحة الاعتداء على املاك الكنيسة المارونية في لاسا وقد رفض امام البلدة علنا اعتبار اشارة المدعي العام ملزمة لاهالي البلدة ووصل به واهل البلدة الى حد الاحتجاج على وجود القوى الامنية التي منعتهم من استكمال اعمال التزفيت غير القانونية في عقار الوقف الكنسي في وقت اقامت قيادات "حزب الله" القيامة ولم تقعدها على تصاريح عابرة لمسؤولين في عكار كانوا قد طالبون بانسحاب الجيش اللبناني من المنطقة احتجاجا على قتل الشيخ عبد الواحد.

ومع كل تلك الحقائق والوقائع اذا ببيان طاولة الحوار الاخيرة تاريخ 25 حزيران 2012 يقفز فوق الواقع والمنطق والارض ليدعو الى التهدئة الامنية والسياسية ودعم الجيش واستئناف البحث بموضوع الاستراتيجية الدفاعية ومن ضمنها موضوع السلاح في وقت افهمنا مسؤولو ونواب "حزب الله" من الشيخ نعيم قاسم الى الشيخ نبيل قاووق الى النائب محمد رعد وسواهم بأن سلاح "حزب الله" غير قابل للنقاش وقد وصل الامر بالنائب محمد رعد الى حد التهديد بحرب اهلية اين منها حرب الـ75 في حال الاصرار على بحث موضوع السلاح …

فاليوم جميعنا امام تحدي مصيري واحد: اما انتصار منطق الدولة والشرعية والقانون وبسط الدولة سيادتها وسلطتها الفعلية والوحيدة والحصرية على كامل التراب اللبناني عملا باحكام اتفاق الطائف (وثيقة الوفاق الوطني)، واما الانحدار القاتل باتجاه تفتت الدولة والشعب والانزلاق امام الامن الذاتي للمجموعات السياسية والمذهبية… فطاولة الحوار لن تكون اكثر من ابرة مورفين لتمرير الوقت الضائع بانتظار ما يطبخ في المسألة السورية من نهايات اذ لا رجاء من الخروج باتفاق على استراتجية دفاعية تعالج جذريا سلاح "حزب الله" غير الشرعي واردافه … وبالتالي لبنان في قلب العاصفة … لكن المرض العضال لا يعالج بالمسكنات … وحذار من سقوط قيم الجمهورية وقيم الدستور … فتنهار الجمهورية الدستورية على رؤوس الجميع … والمسؤولية الكبرى تتحملها عندها هذه الدولة الضعيفة بتمام ضعفها عشية احداث 13 نيسان 1975 … وقد كانت حوادث اليوم الاول من الشهر الامني اختبارا خطيرا ومقلقا لمصداقية هذه الدولة …

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل