يحصد "حزب الله" ثمار ما زرعه على مدى السنوات الماضية، وعمل بدأب على رعايته وتغذيته ورفده بمقوّيات النمو والنشوء والترقّي والتبلور والتفتّح وصولاً إلى النضوج.. وأي كلام آخر لتفسير الهيجان الفالت في بعض المناطق اللبنانية، يشبه العلك ومضغ الماء وأكل الهواء الناشف.
ظواهر التطرّف لا تحتاج إلى الكثير من الفلسفة لتفسيرها.. نسقها واحد وإن اختلفت الأسباب والهويّات والأهواء: كل شعور بظلم لا رادّ له ولا دواء ولا قضاء، يوصل حُكماً إلى تعطيل العقل وإطلاق الغرائز من محاقنها..
ولم يفعل الحزب على مدى أدائه الذي تلا انسحاب جيش بشار الأسد من لبنان، سوى تأكيد هذه الواقعة الخطيرة من دون أن ينتبه إلى مدى خطورتها، ومن دون أن يرضى بالانتباه إلى خطورتها، ومن دون أن يفعل شيئاً للتخفيف من غلوائها وغلوائه، ومن دون أن يتواضع بما يكفي للاعتراف بها وطرق أبواب معالجتها..
لم يرَ أمامه أحداً. وظنّ في بداية المطاف وختامه، أنّ "مقدّساته" لا تُمسّ، فيما "مقدّسات" الآخرين مرميّة على الأرض ومعرّضة للهتك ساعة يشاء وكيفما يشاء. وافترض أنّ الصواريخ والمخازن المدجّجة والتسلح حتى النخاع والقدرات المالية والتنظيمية كافية لتحصينه في بيئة غير صافية! مختلطة وقلقة ومتوتّرة ومتوجّسة منذ أوّل التاريخ وعلى امتداد الجغرافيا. وظنّ أكثر من ذلك، أنّ الآخر مشروع احتمالين لا ثالث لهما: إمّا تابع وخاضع رهبة أو طمعاً، وإمّا مُلغى، لا وجود له، ولا حيثية ولا "أهل" يردّون عنه، ولا "هويّة" تحميه في زمن تفلّت الأطر الرسمية والطبيعية وعجزها عن تأمين تلك الحماية. بل ظنّ أنّ ذلك الآخر، في بلد مثل بلدنا وفي شرق مثل شرقنا وعرب مثل عربنا، يمكن كسره وطعجه وفرض ما لا يُرضى عليه. كأنّ الغربة عن الواقع لا تكون إلاّ تامّة كاملة لا شطط فيها ولا عور.. غربة ذلك الحزب عن الواقع اللبناني جعلته يرتكب أخطاء وخطايا في السياسة والأمن كثيرة وكبيرة.. لكن غربته عن التاريخ لا تصدّق. وأغرب ما فيها هو أنّه في ذاته يستند إلى التاريخ كي يبني قلعته ويظهّر "هويّته" الخاصة، وإن وضع فوق تلك القلعة شعارات كثيرة أوّلها "المقاومة".. ولطم إذا فعل "الآخر" مثله تماماً (أو حاول) جنّ وصُدِم ودبّ الصوت فالتاً باتهام ذلك الآخر بما فيه هو تماماً وأوّلاً وأساساً!
غيره في الوضع اللبناني كان أقوى منه وأقدر وأشمل لكنّه انتهى داخلياً قبل أن ينتهي خارجياً. والأولى كانت مقدّمة الثانية.. وغيره ناتع وتبختر وتجبّر وتكبّر لكنه كان في كل خطوة يخطوها، يقطع جزءاً من المسافة الفاصلة بينه وبين الهاوية الى أن اكتمل القياس وهوى في تلك الهاوية!