في بعض الدول المتقدمة على صعيد الحفاظ على الأمن باتت البلديات تخصخص الأمن، حيث تتولاه شركات متخصصة تمارس صلاحياتها في النطاق البلدي في إطار ضبط الحركة المرورية للأشخاص والآليات، والحفاظ على الصحة والسلامة والراحة العامة…
ويأتي هذا التطور منسجماً مع النسبة المرتفعة لتقيد المواطنين بالقوانين والأنظمة مع إبقاء نوع من الوصاية من الدولة على هذه الشركات الأمنية. أمّا البلدان التي لم تتوصل إلى هذا النوع من الرخاء على الصعيد الأمني، فهي تسعى دائماً إلى الحفاظ على الاستقرار الأمني.
في لبنان، قررت الحكومة اللبنانية اتخاذ تدابير أمنية مشددة طوال فترة شهر أو أكثر، وهي مشكورة على ذلك مقارنةً مع حال التسييب الأمني التي شهدناها في الآونة الأخيرة، بينما يقع على عاتق الدولة اتخاذ تدابير مماثلة بصورة دائمة لا سيّما في ظل الأوضاع الأمنية التي يشهدها لبنان، وإلا تُعتبر الدولة مسؤولة بسبب امتناعها عن القيام بواجباتها.
فشهر التدابير الأمنية ليته يمتدّ طوال السنة، اللهم إذا أثبت فعاليته، وقد عاكسته بعض الحوادث الأمنية المتنقلة في بيروت من التعدّي على مبانٍ إعلامية، أو القذائف المتنقلة في أحياء طرابلس، إضافة إلى تصريحات سياسية ليس أقلّها ما ورد على لسان النائب محمد رعد بأنّ فريقه المسلّح يتوسّل دخول الدولة اللبنانية إلى الضاحية بأجهزتها الأمنية كافّة منذ العام 2000 وهم لم يوفَّقوا بذلك، لكن جلّ ما أرسلته الدولة اقتصر على خمسة عشر شرطيّ سير! إلّا أنّ هذا التوسّل توقف طبعاً عندما كانت تُستهدف بعض الأحياء في الضاحية الجنوبية لبيروت بمتفجرات، فكان فريق النائب رعد يطوّق المكان ويُجري ما يريد من تحقيقات أو إخفاء للأدلة، وبعد يومين يسمح لهذه الأجهزة الرسمية بالدخول!
وهذا ما يحصل أيضاً عندما يتم تطويق أيّ شاحنة محمّلة بالسلاح تكون متجهة نحو البقاع أو بعلبك أو ضاحية بيروت الجنوبية، حيث يمنع الفريق المسلّح الذي ينتمي إليه النائب رعد، القوى الأمنية الرسمية من القيام بمهماتها… وجميعنا يذكر كيف أنّ توسّلات هذا الفريق للدولة في 7 أيّار لم تلقَ آذاناً صاغية من الدولة، ممّا استوجب منه التدخّل عسكريّاً في بيروت والجبل بما لا يقلّ عن عشرات القتلى ومئات الجرحى، ناهيك عن إحراق المؤسّسات الإعلامية مرّات عدة، والإضرار بالممتلكات العامّة والخاصة على حدّ سواء. وجميعنا يذكر أيضاً المواجهات المسلحة بين العائلات والعشائر ذات المرجعية الحزبية، وكيف قُتِل النقيب الطيّار سامر حنا.
كما أنّ حكومة ما سُمّيَ بالوحدة الوطنية التي رأسها الرئيس سعد الدين الحريري، لم تستجب لهذه التوسّلات، فكانت المسيرة البيضاء للقمصان السود، وبالأمس القريب الرسالة الملتهبة الموجّهة لمحطة الجديد.
كلّ ذلك والدولة غير مبالية، ومن دون أيّ شعور بالشفقة أو أدنى إحساس بالمسؤولية لا تستجيب، فتدير آذانها لهذه التوسّلات، فيما هذه الجماعة المسلحة لا تزال مستمرّة في التوسّل، التوسّل المستمرّ للسيطرة على مقدّرات الحكم والهيمنة على القرار السياسي، توسّل الهيمنة العسكرية حين لا تطاول ذراعهم السياسية، توسّل إهمال الدستور والمبادئ التي بُنيَ عليها، توسّل المثالثة لا المناصفة (كطرح النسبية)، توسّل الهيمنة على القرار الأمني (كطرح بناء دولة جديدة)، توسّل المماطلة في معالجة إدارة السلاح الذي بحوزتهم (استمرار الحوار عن السلاح ومن أجله ما يقارب الأعوام السبعة)، توسّل النأي بالنفس عن معالجة أدنى وأبسط حقوق المواطنين الخدماتية، توسّل تغطية الفساد في مقابل استمرار الاستئثار بالقرار السياسي، توسّل تلزيم شركات بواخر لإنتاج الطاقة مُدانة قضائيّاً بالفساد في باكستان بغية تشجيعها على هدر المال العام اللبناني، توسّل العتمة بدلاً من النور، توسّل ضرب السياحة بدلاً من إنعاشها، توسّل إحراق الدواليب بدلاً من الكلمة، وتوسّل التضليل بدلاً من الشفافية.
فيا أيتها الدولة اللبنانية، استجيبي لهذه التوسّلات، فلا تضطرّي لاتّخاذ شهر أو أكثر من التدابير الأمنية، ولا يبحّ صوت النائب رعد وفريقه المسلّح أمَلاً بدخولك الضاحية، ونحن نعلم أنّه لا يمكنك الدخول قبل أن تصبح هذه الجماعة غير مسلحة، تمارس العمل الديموقراطي وليس الإكراه الأمني.