#dfp #adsense

إنها الفوضى الدائمة.. تتجدد بأشكال أخرى!

حجم الخط

لا وصف لما يشهده لبنان في هذه المرحلة من تاريخه أكثر دقة من كلمة الفوضى، بل والفوضى الكاملة بكل ما تحمله من معان… ليس أمنيا فقط، وانما سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وحتى أخلاقيا كذلك.

وأن يخاطب رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان قادة الأجهزة الأمنية، الذين تم استدعاؤهم الى جلسة مجلس الوزراء الأخيرة، بالقول انهم يحظون بتغطية سياسية من جميع الفرقاء (هل يحظون بذلك حقا؟)، لكي يقوموا بأدنى مهامهم في حفظ الأمن، فهو انما يحذر من استشراء الأمر، فضلاً عن أنه يضع القوى السياسية المعنية على تعددها واختلاف ميولها أمام هذا الواقع المزري.

للمناسبة فقط: سيقول أهل "الممانعة والمقاومة"، كما هي عادتهم في الهروب وتوجيه الاتهام الى الخارج، انها كذلك فعلا، لكنها "الفوضى الخلاقة" التي تحدث عنها بعض السياسيين الأميركيين قبل سنوات، وأن لا علاقة لهم، ولا تحديدا للأطراف العربية والاقليمية التي ما فتئت تهدد بـ "زلازل" ستضرب المنطقة على خلفية الحدث السوري، بما يشهده لبنان في هذه المرحلة.

لكن لا يهم، ما دامت الأطراف المحلية نفسها تتكفل الاعلان عن تورطها، ممارسة على الأرض من جهة، وحماية مكشوفة أو مستترة للفاعلين المباشرين، عندما يحدث أن تنكشف هوية أحدهم أو يجري اعتقاله من جهة ثانية!. والمشهد اللبناني لهذه الناحية يتحدث عن نفسه بجلاء وقسوة لا تخطئهما عين.

ذلك أنه عندما تكون حكومته على شاكلة الحكومة الحالية، العاجزة عن ملء الشواغر في الادارات العامة والقضاء والأمن، وعن تخفيف ـ وليس انهاء! ـ معاناة لبنان كله بسبب فقدان التيار الكهربائي، وعن منع حملة السلاح (عفوا، حملة الاطارات المطاطية) من احتلال ساحات العاصمة وقطع طرقها، وخصوصا طريق مطارها الدولي والوحيد، لأي سبب كان، وعن ضمان نقل سجناء من زنازينهم الى قاعة المحكمة ثم اعادتهم منها سالمين، وعن اصدار موازنة الدولة لعامين حتى الآن، وعن حماية حدود لبنان سواء من التوغلات العسكرية السورية أو من التهريب على خطين، فلا تعبير يمكن أن يفي بالغرض سوى القول انها الفوضى السياسية بكل معنى الكلمة.

كذلك، فعندما يلتقي ممثلو القوى والأحزاب والطوائف والمذاهب على طاولة الحوار(الذي يطلق عليه اسم الحوار الوطني) ويعلنون أنهم اتفقوا على ثوابت ومسلمات ضمنوها "اعلان بعبدا" يوم الحادي عشر من حزيران، ثم يعودون الى التناحر حولها نفسها في جولة الحوار الثانية بعد أسبوعين فقط، يوم الخامس والعشرين منه، وكأن لا ثابتة ولا مسلمة قد اتفق عليها قبل ذلك، فلا مفر من القول انها الفوضى المتعمدة عن سابق تصور وتصميم، بما فيها من جوانب ثقافية وحتى أخلاقية.

وعندما يدخل اللبنانيون على اختلاف فئاتهم، ومعهم الدولة أيضا، في أزمة اقتصادية تهدد بأن تصبح كارثة فعلية ترمز اليها سلسلة الاضرابات العمالية والتربوية والحرفية وكساد موسم السياحة والاصطياف وتوقف تصدير المنتجات المحلية وبضاعة الترانزيت الى الخارج، وارتفاع تكاليف المعيشة الى حد بات يشكو منه حتى الميسورون من الناس، فهل هي غير الفوضى الاقتصادية ـ الاجتماعية بدورها؟.

وعندما تقف القوى العسكرية والأمنية، بعد ذلك كله، عند ما يسمى بـ "الأمن بالتراضي"، أو تلطيفاً "الأمن السياسي"، فلا تملك ما تفعله الا أن تعود الى هذه الجهة (الحزبية أو الطائفية أو المذهبية) أو تلك من أجل القاء القبض على مجرم أو مهرب أو هارب من العدالة، بل وحتى تضطر في بعض الأحيان الى الدخول في مساومة تحت الطاولة (على طريقة 6 و6 مكرر) للاحتجاز المؤقت ثم للافراج بكفالة أو من دونها، فهل هي غير الفوضى الأمنية الكاملة؟. ثم هل يعني اللجوء، في حال البحث عن علاج لتدهور الأمن، الى ترديد المقولة السخيفة عن "رفع الغطاء السياسي" عن المتهمين، سوى تأكيد الحقيقة التي تشير الى أن هذا الغطاء كان قائما قبل ذلك؟.
واقع الحال أن الفوضى باتت خبز اللبنانيين اليومي، وفي كل وجه من وجوه حياتهم بما في ذلك تعاطيهم مع الدولة، بحيث تحول سؤالهم مع كل صباح، ليس لماذا ومن المسؤول والى متى، وانما تحديدا الى أين يراد بهم أن يؤخذوا من هذه الحال المزرية من جميع الزوايا.

ذلك أنهم لم ينسوا بعد أن نظرية الاعتصام وقطع الطرق كانت، ولفترة طالت أكثر من عام ونصف العام، جزءاً من حياتهم وطروح قادتهم المعلنة في العامين 2007 و2008 تحت عناوين مثل "احقاق الحق" و"نيل المطالب" و"اسقاط الحكومة" و"الغاء المحكمة الدولية" وما الى ذلك.

هم يذكرون جيدا أن أحزابا وتيارات سياسية فاعلة ومرخصة قانونيا قامت يومها بنصب غابة كبيرة من الخيم في وسط العاصمة، رفعت عليها أعلامها وشعاراتها وألوانها الخاصة، كما أحدثت تغييراً في معالم بنيتها التحتية لزوم الاقامة الطويلة، بينما كانت قياداتها تتبارى يوميا في القاء الخطب التحريضية ضد الحكومة والتهديد باقتحام مبنى السرايا… لتبلغ ذروتها في ما وصف بـ "اليوم المجيد" في السابع من أيار العام 2008.

ألا يشبه الوضع الراهن زميله السابق، ان في ما يتعلق بالاعتصامات أو قطع الطرق أو احراق الاطارات المطاطية، أم أن ما كان جائزاً للأحزاب والتيارات والجماعات القيادية ليس مسموحا به لشبان أرادوا (أو أريد لهم؟) اليوم أن يتشبهوا بقادتهم أولئك، وسياسات أحزابهم لفرض أمرهم الواقع على الأرض؟.

وفي ما يتعلق باقفال طريق المطار، عند كل شاردة وواردة، هل كثير جداً على هؤلاء الشبان تكرار الأمر باحراق الاطارات، وهم أنفسهم كانوا شهوداً على عشرات الجرافات والشاحنات تقفله بسواتر ترابية تحت حراسة ميليشيا من الدراجات النارية والسيارات المموهة في العام 2008، ولا تعيد فتحه الا بعد تحقيق ما سمّته "الانتصار" في مؤتمر الدوحة؟.

أما قصة المطار نفسه، فهل نسي أحد كيف جرى احتلاله في يوم، والاحتفال في قاعة الشرف فيه بادخال ضابط سابق عنوة، وتحت اشارات النصر يرسمها بأصابعهم نواب ووزراء وقادة أحزاب، لمجرد صدور مذكرة احضار بحقه من قبل النيابة العامة لسؤاله عن أقوال نسبت اليه وكانت مسيئة الى القضاء بل والى النظام العام كله؟.

ما أشبه الليلة بالبارحة، والسيل يبدأ بقطرة… هكذا يقولون في الأمثال.

وفوضى لبنان الآن ليست الا تكراراً لما فعله اللبنانيون، أو بعضهم على الأقل، بأنفسهم خلال الأعوام السابقة.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل