كتبت كارلا خطار في صحيفة "المستقبل":
الإستقالة تشبه "البعبع" بالنسبة الى تكتل "التغيير والإصلاح". ليست الإستقالة بالفعل إنما مجرد الحديث عنها أو حتى ذكرها.. ففيما كان أعضاء التكتل يتحدثون عنها، ويتناولونها في كل اجتماعاتهم ليخيفوا بها الحلفاء ويستفيدوا من الصفقات، ويهددوا بها الحكومة واللبنانيين كلمّا "حزّت المحزوزية".. تحوّلت الإستقالة الى شبح يخطف أنفاس الوزير جبران باسيل ويسلبه طاقته.
فوزير الطاقة وكل الطاقات، الممانع الذي يحمل راية لبنان الغد مع عمّه الجنرال ميشال عون، لطالما موّه معه بالإستقالة لتلميع صورتهما وليبقى صيت التيار "متل الفلّ".. كلّه كلام بكلام ولم يجرؤ أي وزير عوني على الإستقالة، فالإستقالة من الحكومة لا تتناسب مع مشاريع الإلغاء والتفرّد.
فاستقالة جبران الصهر تعني انقطاع التيار الكهربائي الى غير عودة، وشحّ المياه من "السيتارنات" وحتى من البحر الأبيض المتوسط والمحيطات. أما استقالة وزراء تكتل "التغيير والإصلاح" من الحكومة فتحتّم على لبنان الغوص في نفق الفساد والغرق في الديكتاتورية وسياسة النأي بالنفس والإنعزالية..
هكذا اعتقد جبران باسيل عندما دخل على خط حديث الوزير نقولا نحاس. والأخير أعطى رأيه بالوضع الأمني قائلا "إذا لم تتخذ إجراءات جديدة غداً فالأفضل لهذه الحكومة أن تستقيل". وما كاد باسيل يسمع كلمة استقالة حتى انتفض سائلا "إذن سنضرب الآن بيد من حديد؟ يعني سيمشي خط المنصورية ويفكّ الحصار عن مؤسسة كهرباء لبنان؟"
وكأن معالي الوزير لم يسمع في كل الجلسة سوى كلمة "استقالة". وكأنه لم ينصت الى خطاب رئيس الجمهورية الغاضب. وكأنه غير حريص على أمن اللبنانيين وأمانهم. وكأنه لا يهتمّ سوى للبواخر والتوتر لتنفيذ ما يدور في رأسه ويلقى أجراً بالمقابل. فأتى سؤاله في معرض الإستجداء والإنتقام معا.. فأُذن باسيل التي كانت تبحث عمّا يسعدها أو على الدنيا السلام، صُمّت بعدما سمعت كلمة "استقالة".. إذاً إنها "نفس يعقوب" تفيض بما يختلجها. من دنيا باسيل النائية إلاّ عن نفسه، يستجدي الوزير العوني بقاء الحكومة ويتوعّد بالإنتقام وتنفيذ مخططاته رغما عن كل اللبنانيين.
وبعيدة دنيا معاليه عن عالم رئيس الجمهورية الذي يطالب فيه ببسط سلطة الدولة اللبنانية ورفع الغطاء السياسي عن المرتكبين. غير أن باسيل الذي علّمه عمّه أن يستعمل كلمة "إستقالة" كلما رفض الحلفاء الرضوخ لرغباته، لا يملك يدا من حديد وإن كان يملكها فهو لن يتمكن من استخدامها أو سيفشل على جري عادته.. فسلاح الحلفاء "المقدّس" أقوى من الأيدي الحديدية.. وباسيل ليس الرجل الفولاذي الذي يمثّل في أفلام هوليوود، بل هو فقط الصهر سند الظهر.
وكلام باسيل في الجلسة ردا على الوزير نحاس يجوز فيه وجهان: السؤال والجواب.. هي الطريقة نفسها التي يتحدث فيها المدلل مع أمه لترضى عنه وتشتري له ما يريد.. غير أن الوزير العنيد يريد أن يتاجر أي أن يبيع ويستفيد. وهل قطع التيار الكهربائي عن اللبنانيين مشكلة أو مأساة؟ بالنسبة الى الوزير، قد تكون مشكلة إنما حلّها موجود وبسيط: تحرير خط المنصورية وفك الحصار عن مؤسسة كهرباء لبنان!
نكاية بالناس وكل القاطنين في المنصورية وكل طلاب المدارس في تلك المنطقة يريد جبران باسيل أن يمرّر خطوط التوتر العالي. فكل أعمدة التوتر في لبنان وما تسببه من أمراض وأصوات مزعجة تصدر عنها، لا تكفي معاليه، فهو بحاجة دائما الى ما يستمدّ منه توتره.. حيث إن التوتر في الأعصاب تريحه المكاسب المغرية.
وبعد فإن مؤسسة كهرباء لبنان محاصرة ومن أجلها حوصرت الطرق وارتُكبت المخالفات. بمعنى آخر حاصر جبران باسيل المؤسسة فضيّق عليها الخناق وخيّر اللبنانيين بين البواخر أو العتمة، حتى هددهم بالعتمة.. ونفّذ. حلفاؤه أيضا نفّذوا وأغلقوا الطرق وأحرقوا الإطارات.
في عالم الوزير باسيل ربما الدويلات موجودة، ونار الإطارات متأججة.. لكن رئيس الجمهورية يكفل في عالمه السلام والأمان.. وإن ارتبط اسم باسيل بالمخالفات ودواليب الحلفاء وتظاهراتهم واعتصاماتهم غير السلمية، فهذا يعني أن الغطاء السياسي رُفع عنه ولم يبقَ سوى أمر واحد: تحديد يوم أمني في مجلس الوزراء.