يريد الرئيس السوري «حلاً سورياً» لأزمة بلاده. وتتفق معه موسكو على أن العملية السياسية في سورية يجب أن تحسم نتيجتها إرادة السوريين من دون تدخل خارجي. كلام مثالي في المطلق وينطبق على الدول التي يتاح فيها للمواطنين اختيار قياداتهم بحرية وعلى تلك التي لا تتحول فيها أجهزة الحكم إلى أدوات لقتل المعارضين لمجرد إبدائهم رأياً مخالفاً لما تقول به السلطة الحاكمة.
غير أن الوضع في سورية لا يشبه هذه الحالة ولا تلك. والغريب أن القيادة السورية، في سياق إنكارها لأسباب المأزق الذي وجدت نفسها فيه، لا تريد الاعتراف بذلك وتصر على الدعم الشعبي الذي توهم نفسها أنها تتمتع به. شاهدت باستغراب مقابلة مع مستشارة الرئيس السوري بثينة شعبان على قناة «روسيا اليوم»، التي باتت في تغطيتها للحدث السوري أقرب إلى المحطات السورية وتلك اللبنانية المتعاطفة مع نظام دمشق، في إصرارها على رواية «المجموعات الإرهابية المسلحة» التي اصبحت تضم اليوم معظم أبناء الشعب السوري، بعد امتداد ثورته إلى كافة أنحاء البلاد. اعترضت شعبان على المطالبة بإزاحة الرئيس الأسد عن السلطة متسائلة: بأي حق يطلبون ذلك من رئيس يحكم بإرادة شعبه؟ هل يجرؤون على مطالبة ديفيد كاميرون مثلاً بالتخلي عن رئاسة الحكومة البريطانية؟
الغريب أن تعليقاً كهذا لا يأتي على لسان شخص يجهل أنظمة الحكم في العالم، ولا يعرف الطريقة التي يصل بها كاميرون وسواه من المسؤولين الغربيين إلى السلطة، بل من مسؤولة درست في بريطانيا ويفترض بالتالي أن تعرف الفرق بين طريقة وصول الأحزاب إلى الحكم في هذا البلد وطريقة وصول رئيسها وحزبه إلى الحكم في سورية. بل يفترض أن تعرف أيضاً، من خلال تعاطيها مع المجتمع البريطاني، أن التظاهرات ضد توني بلير في الماضي وضد كاميرون اليوم لا تنتهي بقطع أصابع الأطفال وبسحل المواطنين في الشوارع وبتدمير بيوتهم فوق رؤوسهم. بالطبع هي تعرف. ولكن ما العمل إذا كان منصب المستشارية يقطع الطريق على الجهر بالمعرفة؟!
من الاستخفاف البالغ بإرادة السوريين، وبما يجري في شوارع مدنهم وقراهم منذ عام ونصف، أن يدعو الرئيس الأسد اليوم إلى «حل سوري» رداً على المحاولات التي تبذل لإيجاد مخرج للأزمة، يضمن بالدرجة الأولى وقف نزيف الدم السوري. ذلك أن هذا الحل خرج منذ فترة طويلة من أيدي السوريين. فالنظام هو الذي دفعهم إلى السعي إلى حلول خارجية، بعد أن واجه مطالبهم المحقّة التي دعوا فيها إلى منحهم حرية التعبير عن رأيهم في من يحكمهم، بالسلاح والقتل وتدمير المدن المنتفضة.
النظام السوري هو الذي فرض على السوريين البحث خارج سورية عن مخرج مما يصيبهم. وعندما تنادى المجتمع الدولي، مدفوعاً بهول المجازر التي نشهدها على الشاشات كل ليلة، إلى البحث عن حل يحفظ ما تبقى من مؤسسات سياسية وأمنية في سورية، ويستبعد في الوقت ذاته المسؤولين الذي باتوا عقبة في طريق المستقبل، بعد أن تورطوا في إدارة أعمال القتل، وجد في وجهه العقبة الروسية التي تدعم موقف نظام دمشق، الرافض لأي حل لا يتم تفصيله على مقاس مصلحته وبما يخدم بقاءه في الحكم، ولو فوق دماء السوريين.