#dfp #adsense

“حزب الله” يقوّي التطرّف السنّي على حساب الحريرية

حجم الخط

كتب طوني عيسى في "الجمهورية":

يجب على "حزب الله" أن ينسى مرّة أنّه فريق شيعي قوي ومسلّح، وأن يضع نفسه في مكان تيار "المستقبل": فريق سنّي أعزل، اغتيل مؤسّسُه، ورئيسه منفيّ تحت وطأة التهديد بالاغتيال، ويواجه فريقاً شيعيّاً قويّاً ومسلّحاً.

هناك مَن يقول: لماذا لا نفترض العكس؟ أي على تيار "المستقبل" أن ينسى يوماً أنّه فريق سنّي لا يعاني عقدة الأقليّة في عالم عربي ذي غالبية سنّية، وسط تحوّلات تهدّد بسيطرة سنّية غير محدودة من الهلال السوري الخصيب إلى المحيط فالخليج. عليه أن يضع نفسه في موقع الأقلية الجغرافية – التاريخية في المنطقة، وعُقَد الاضطهاد التي عانتها، عندئذ قد يتفهّم تيار "المستقبل" لماذا لا يريد "حزب الله" أن يتخلّى عن سلاحه!

بين الفرضيتين الشيعية والسنّية، هناك مفارقة، وهي الآتية: عندما خرج جيش الرئيس بشّار الأسد من لبنان في العام 2005، استطاع فريق 14 آذار بغالبيته السنّية والمسيحية والدرزية أن يتفهّم هواجس الشيعة، التي قد تكون خلف سلوك "حزب الله". وهي هواجس الأقليّات جميعاً في الشرق، لا الشيعة وحدهم. والدليل إلى هذا التفهّم أنّ فريق 14 آذار وافق في ذروة انتصاره على التسوية المخالفة للطبيعة في ذلك الحين، والتي سُمّيت "الحلف الرباعي". وإلّا فما معنى مراهنته على استيعاب "حزب الله" وسلاحه ضمن "الحالة اللبنانية" الجديدة؟

تَقول لقيادي في تيار "المستقبل": "أتركوا لـ"حزب الله" هامشاً يطمئنّ إليه، فيتنازل شيئاً فشيئاً". يتحسّر هذا القيادي ويجيب: "وماذا فعلنا سوى ذلك منذ اللحظة الأولى؟ وحتى الشهداء الذين سقطوا لنا ولفريق 14 آذار بأسره نقبل بأن يكونوا ثمناً لدخول "الحزب" إلى الحالة اللبنانية. ولكننا رضينا وهو لم يرضَ"…!

لقد ساهم التنوّع الطائفي الذي انطبعت به "ثورة الأرز" في إعطاء تيار "المستقبل" هذا الامتياز الانفتاحي، إضافة إلى كونه أساساً حالة سنّية ليبرالية. فالمسيحيّون والدروز في قيادة "ثورة الأرز"، ساعدوا "المستقبل" في هذا المجال. ولعلّ من أبرز إنجازات 14 آذار أنّ المكوّن السنّي فيها انخرط تماماً في حالة لبنانية واعدة وغير فئوية، حالة مستعدّة للتنازل.

زرع تيار "المستقبل" في العام 2005 بذوراً في الحقل الشيعي، لكنّها لم تنبت. وهو حتى اليوم يراهن على أنّها ستنبت، وهناك في داخل التيار فريق، وإنْ لم يكن كبيراً، ما زال يعتقد مثلاً أنّ المشاركة في الحوار ربّما تنفع في هذا المجال. وفي اعتقاد 14 آذار أنّ "حزب الله" يبالغ في الاستهتار بالحالة اللبنانية. يفضّل عليها الاحتفاظ بأمنه ومصالحه الفئوية والإقليمية، ونموذج 7 أيار 2008 يعبّر عن ذلك.

السلاح ثمّ السلاح… بلا أوهام

"الحزب" يعتبر أنّ قوته الوحيدة، بعيداً من الأوهام، هي السلاح. وهذه القوّة حاجة استراتيجية له وللمحور الذي يرتبط به، من دمشق إلى بغداد فطهران. ولا يمكن تعويض هذه القوّة إذا تخلّى عنها طائعاً، "وفي سذاجة". وهو ضمناً مقتنع بأنّ الدولة في لبنان لا يمكن أن تمنحه أو تمنح حلفاءه الإقليميين هذا الغطاء. ومن هنا، سيدافع عن السلاح حتى النهاية. ولا يجوز لأحد أن ينام على أوهام "اقتناع" "حزب الله" بذلك في أي يوم من الأيام.

أكثر من ذلك، يعتنق "الحزب"، منذ ما قبل العام 2005، نظرية مفادها الآتي: تيار "المستقبل" ليس سوى حالة جمعتها ظروف البرجوازية الحريرية، وهي حالة عابرة أو انتقالية. وفي أي لحظة، ستنمو السلفيات السنّية وتتسلّم قيادة السنّة في لبنان. وعندئذ، ما سيكون وضع الشيعة و"حزب الله" إذا كان قد تخلّى عن سلاحه؟

وعملاً بهذه النظرية، قرّر "الحزب" أن يتفاهم مع "المستقبل" بناءً على مُسَلّمة واحدة، وهي: ممنوع المسّ بالسلاح، وبعد ذلك كل شيء قابل للنقاش! وعندما فشل تحقيق ذلك، من خلال الـ"س-س" وسواها، استخدم "الحزب" أوراقه القصوى، من 7 أيّار حتى إسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري، أي أنّه استخدم السلاح للدفاع عن السلاح.

في ضوء الخيارات التي فرضها "حزب الله"، ما هي صورة الواقع السنّي اليوم؟

تيار "المستقبل" يبقى الحالة السنّية الأقوى

على اتّساع الرقعة اللبنانية، على رغم التضييق السياسي والأمني. ولكن لا يمكن لأحد أن يتجاهل الوقائع الجديدة والمثيرة على الساحة السنّية. سياسيّاً وأمنيّاً ودينيّاً، هناك حالات سنّية تفرض حضورها. وهي تحديداً تستند إلى مقولة إنّه من الضروري مواجهة "حزب الله" بالعدّة التي يملكها. فالتطرّف يجب أن يقابله تطرف، والسلاح يجب أن يردعه سلاح. والتشدّد المذهبي يجب أن يواجهه تشدّد مماثل. ويوميّاً، تثبت الوقائع حصول متغيّرات في المزاج السنّي والخريطة السياسية والأمنية والدينية السنّية.

مثلاً: لم يَعُد تكرار 7 أيّار في بيروت متاحاً بالسهولة التي كانت قبل أربعة أعوام. ويجب أن يُقرأ هذا المعطى في العمق.

ويقف اليوم تيار "المستقبل" حائراً بين نارين: هو لم يستطع أن يربح الرهان على إدخال "حزب الله" وسلاحه في الحالة والدولة اللبنانيتين، لكنّه لا يستطيع مواجهة القوى السنّية المتوالدة، والتي تُبدي استعدادها لمواجهة "الحزب" بالعدّة التي يملكها. ففي الطائفة السنّية رغبة دفينة في الخروج من الهزيمة التي مُنيت بها الطائفة سياسيّاً وأمنيّاً. ولا يُمكن لـ"المستقبل" أن يقف في وجه هذه الرغبة، كما أنّه ضمناً يرغب في إيجاد "توازن رعب" مع "حزب الله"، ما دام مُصرّاً على التصلّب.

وهكذا، لا يستطيع تيار "المستقبل" أن يكون مرتاحاً في خياراته، فهو يفضّل سيطرة الاعتدال والانفتاح داخل الطائفة، لكنّ "حزب الله" لم يساعده على تحقيق هذا الهدف، بل على تشجيع التطرّف. كما أنّه مضطر إلى "توازن رعب" يحدّ من مغالاة "الحزب"، لكنّه يدرك أنّ الرعب، وإنْ يَكُن متوازناً فإنّه مدمّر! ومن هذه الزاوية، تحمل النظرة إلى ظاهرة الشيخ أحمد الأسير التباساً مبرَّراً.

هذا المأزق مسؤول عنه "حزب الله"، فهو قادر على منح الاعتدال السنّي ورقة قوية بمجرّد الانفتاح والقبول بالتخلّي عن الرغبة في السيطرة بالسلاح.

وأمام "حزب الله" فرصة، في هيئة الحوار، لتبديل نهجه والمبادرة إلى التعاطي إيجاباً في ملف السلاح. فإذا تجرّأ وفعل ذلك يكون النموذج اللبناني هو الذي انتصر، وإذا لم يتجرّأ فالنموذج العراقي سيكون أقرب، والنموذج "النيو سوري" أقرب بكثير.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل