#dfp #adsense

عاش المعاش.. مات المعاش

حجم الخط

آثرت المدرّسة في التعليم الرسمي، التي تربّي ثلاثة أولاد، التوقف عن احتساب راتبها الشهري ومقارنته بمصاريف المنزل والعائلة، إذ إن هذه الحسابات قد أنهكتها ولم تجرّ عليها بأي فائدة طالما أن الاستدانة من هنا وهناك ستبقى قائمة ولا يبدو أنها ستمرر شهراً من دونها لتغطية تكاليف معيشة العائلة وحاجاتها الكثيرة. وهي باتت تشعر أنها بإجرائها الحسابات بالقلم والورقة إنما تزيد قلقاً على قلق وشعوراً بتفاهة راتبها مقارنة بما يمكنه أن يسدد من ديون الشهر السابق ومن حاجيات الشهر الحالي. وهي لم تعد تنتظر "الزودة" الموعودة بها على راتبها طالما أن الأسعار قد ارتفعت سلفاً. وتقول إنها في فترات سابقة كان راتبها ينفد في منتصف الشهر أو قبل عشرة أيام من نهايته، ولكنه اليوم لا يصل معها الى البيت، وكأن الراتب يكره الدخول الى البيوت.

فالراتب الواصل الى البنك يُقتطع منه مباشرة القسط الشهري للقرض الذي كانت قد طلبته لدفع مصاريف تعليم ابنها في الجامعة. وقسط السيارة التي اشتراها زوجها لحاجته الى التنقل من العمل وإليه، ونقل أولاده معه الى مدارسهم، وتسحب من الراتب أيضاً فاتورة الهاتف التي رغم تقليلها من الكلام عليه وإكثارها من الرسائل و"الميسد كول" صارت تأتي بقيمة مرة ونصف مما كانت عليه قبل أشهر، وفي الوقت عينه تضطر الى نقد ولديها ثمن الوحدات لهواتفهم مرتين في الشهر.

وتقول المعلمة، والتي من المفترض أنها تنتمي الى الطبقة الوسطى، انها تحس بتغيّر نمط عيشها وتدنّي مستوى معيشة عائلتها، فأنواع الطعام التي كانت تملأ بها البراد باتت أقل، وكذلك نوعية الأماكن التي تخرج إليها مع زوجها وأولادها وعدد المرات التي تخرج فيها، كلها باتت أقل مستوى من تلك التي كانوا يرتادونها فيما مضى، هذا اذا لم تضطر الى الاستنكاف نهائياً عن الخروج برفقة العائلة في بعض الأحيان. وهي تتساءل عن معيشة اللبنانيين الآخرين من العاملين في مهن حرة أو في مهن دونية، إذ تجد حيرة في كيفية تدبير أمور معيشتهم طالما أنها براتبها وراتب زوجها المفترض أنهما من الرواتب الجيدة لا يتمكنان من استكمال الشهر من دون طلب الاستدانة.

وحين تأخذ من البنك ما تبقّى لها من راتبها بعدما يقتطع منه البنك ما له منه، تمر في طريقها إلى صاحب اشتراك الموتور الكهربائي، فتنقده مبلغاً يتراوح بين المئة دولار والمئة والخمسين بحسب عدد ساعات التقنين في الشهر، وهي كثيرة، ثم بالطبع ستمر على صاحب اشتراكي الستلايت والانترنت، وقد يبدو أن الاشتراكين الأخيرين ليسا مهمين كثيراً لعائلة من الطبقة الوسطى، ويمكن الاستغناء عنهما، لكن الاجابة هي بالسلب، لأنها حين حاولت أن تقنع أولادها بوقف اشتراك الكهرباء والانترنت، قامت قيامتهم، وقال لها ابنها الجامعي بأنها في حال أوقفت الانترنت والهاتف واشتراك الكهرباء فإنها سوف تعيد العائلة الى العصر الحجري.

بالطبع هي لا ترغب بعودة أولادها الى العصر الحجري لكنها تشعر بأن العائلة التي جاهدت طويلاً للرسو على نمط حياة معيّن يبدو أنها تسحب سحباً نحو الأسفل أي نحو الفقر من جراء الديون الآخذة بالتراكم شهراً بعد شهر، فالبنك لا يرحم من يتأخر عن الدفع، فيراكم عليه الفوائد، ثم يرسل الانذار تلو الانذار، أما الأقارب الذين قد يتمكنون من اقراضها المال فإنهم لا يصبرون كثيراً لحاجتهم بدورهم الى مالهم لمداراة أمور حياتهم ومتطلباتها.
تتأفف المعلمة وتقول انها لا ترى مستقبلاً مزهراً لها ولأولادها الذين ربما سيغادرونها الى بلدان أخرى بعد تخرجهم أو يقعون عاطلين من العمل في المنزل متبطلين كما أقران كثر لهم سبق وتخرجوا من الجامعة. وهي لا ترى في المستقبل سوى كفاح وجهد لإرساء العائلة على بر اللا ديون، وهذا المطلب على أحقيته وبساطته تجد أنه لن يكون في المتناول بسهولة.

المعلمة الموعودة بالزيادة على راتبها، تقول انه حتى محاربة "غلاء المعيشة" تخضع لأمزجة الساسة في لبنان، ويصبح الأمر مطلباً سياسياً، وهي لا تعرف لماذا لم يتم ادراجه في الراتب بعد، طالما أن الحكومة الحالية من لون واحد، وطالما أنها متوافقة على الشق الاقتصادي بمجملها. وتستنج أنه ربما يكون السياسيون المتنعمون بالحصص والمغانم وبحياة الرفاه والوفرة، لا يكترثون بمعاناة الناس العاديين والمواطنين الذين يستخدمونهم في تحقيق مآربهم السياسية. وتقول انه ربما يكون الحق على المواطنين أنفسهم الذين يتم ترويضهم بالتجويع ويقبلون بذلك وكأنه قدرهم الذي لا فكاك منه.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل