#dfp #adsense

مبادرة جنيف على خطى النقاط الستّ

حجم الخط

على وقع تحذير كوفي أنان من أنّ فشل مبادرته في سوريا سيؤدّي إلى أزمة خطيرة وازدياد الضحايا، انتهى مؤتمر جنيف من حيث كانت نهاية البنود الستّ التي كانت مسرباً من مسارب التهرّب الدولي من الانغماس في الأزمة السورية.
 
لا تنبئ مقرّرات جنيف إلّا بأنّها الاستكمال الطبيعي لاستمرار هذا التهرّب، مع فارق جوهري، هو أنّ شبه الإجماع الدولي على عدم القبول بمشاركة الأسد وبقية رموز النظام في العملية السياسية الانتقالية، بات أوضح وأكثر حسماً، إلى درجة أنّ روسيا باتت تجاهد وتلعب أوراقها الأخيرة لمحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه سعياً إلى عدم خسارة آخر موطئ قدم في سوريا.

في قراءة أولى لنتائج جنيف، يمكن ملاحظة أنّ كوفي أنان كان الوحيد الذي امتلك أسرار مبادرته، التي عجز الضغط الأميركي والأوروبي والعربي على روسيا، عن تحويل طلاسمها إلى مقترحات قابلة للتنفيذ.

فماذا يعني أن تجتمع كلّ هذه القوى لتطالب بحكومة سورية ذات صلاحيات، وما معنى الكلام عن مشاركة المعارضة والسلطة في هذه الحكومة، وفق قواعد لا تستثني شخصيات في النظام، ولكن تضع معايير لهذه المشاركة، أبرزها أن لا تضمّ من نفّذوا الارتكابات ضدّ الشعب السوري في عدادها؟ هل تصوّر أنان أنّ بإمكانه مثلاً أن يتحكّم في اختيار من سيمثل النظام في هذه الحكومة المفترضة، هل هو فاروق الشرع مثلاً أو بُثينة شعبان، أو محمد حبش؟ وهل تصوّر فعلاً أنّ الأسد يمكن أن يقبل، في ظلّ موازين القوى الحالية وبعد كل المسار الذي قطعه، بحكومة في دمشق تفرض عليه وتمارس بهدوء واطمئنان انتقالاً إلى الديموقراطية سينهي نظامه؟

وهل توقّع أنان أن يلتزم كلّ من النظام وقوى الثورة وقف إطلاق للنار بعدما تحوّل الصراع إلى قتال مسلح في كل سوريا، وهل ما لم ينجح في تحقيقه من خلال النقاط الست، سيستطيع فعله عبر مبادرة جنيف التي تستنسخ في بنودها الأمنية هذه النقاط كأنّها استمرار لوضع المبادرات التي لا يوجد عمليّاً من ضمانات ما يسند تنفيذها؟

ما يصحّ تفنيده في مبادرة جنيف بالنسبة إلى النظام، يمكن أيضاً سحبه على المعارضة التي يستحيل عليها بعد كل ما جرى في سوريا، أن تشارك ولو بالواسطة في حكومة واحدة مع مَن يمثل النظام. فهذه المشاركة لا تُعدّ إلا انتحاراً لأيّ فصيل يرضى المشاركة، كما أنّه يؤسس لاعتراف بأنّ النظام كسب الجولة الأولى من الصراع على مستقبل سوريا، وأجهض الهدف الأول للثورة التي تطالب بإسقاط النظام لا بإصلاحه ولا التعايش مع جزء منه.

المدخل إلى تنفيذ مبادرة جنيف عبر تشكيل حكومة الصلاحيات الكاملة لا يبدو إذاً متيسّراً، وفي حال أخفق أنان في هذه الخطوة، فإنّ كلّ مسعاه سيصبح في حالة موت سريري، إذ لا يمكن توقع استمراره بعد أشهر على بدء مهمته الصعبة على وقع انتقاله من مبادرة ورقية إلى أخرى، في وقت لا يبدو أنّ الموقف الروسي سيساعد على تذليل الصعوبات وعلى إنتاج حلّ سوري يشبه النموذج اليمني الذي أخرج علي عبدلله صالح.

ربما يعود أحد أسباب تخبّط مبادرة أنان، إلى أنّها جاءت في توقيت لم يقتنع فيه النظام بأنّ العنف الذي يمارسه في سوريا، لن يستطيع ترجمته إلى استعادة لا للسيطرة ولا للشرعية المفقودة، وربما يعود أيضاً إلى تبنّي روسيا الموقف عينه. من أجل ذلك ستكون دول عربية وإقليمية بعد هذا الفشل أمام انتقال منظّم إلى تسليح الثورة السورية بشكل يؤدّي إلى تغيير جذري في موازين القوى.

كلّ المعطيات تشير إلى أنّ التسليح بدأ بكمية عتاد غير كافية، وكُلّها تقود إلى أنّ هذا التسليح سيتطوّر بعد مؤتمر جنيف كمّاً ونوعاً، وأنّه سيعزو بعض المكاسب التي حقّقتها الثورة، باختراقات كبيرة تهزّ النظام، ما سيؤدّي إلى تغيير الموقف الروسي، وعندها لا يعود ضرورياً التوقّف عند قدرة النظام على تعطيل المرحلة الانتقالية، لأنّه يكون قد بدأ عمليّاً الخروج من المعادلة.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل