كتب معروف الداعوق في صحيفة "الشرق الأوسط":
بعد انكشاف هوية المتورطين بمحاولة إحراق محطة تلفزيون «الجديد» الأسبوع الماضي، بعد إلقاء القبض على أحد الفاعلين بالجرم المشهود، ومهما تكن التسميات التي أطلقت عليهم بدءاً من انتسابهم لسرايا المقاومة أو المناصرين والمؤيدين وما شابه من تسميات، كلها في النهاية تتبع لـ«حزب الله» مباشرة كما يعرف بذلك القاصي والداني على حدٍّ سواء، فإن هذه المحاولة الترهيبية التي كادت أن تودي بجميع العاملين في المحطة حرقاً أو اختناقاً لولا تدخل العناية الإلهية وفشلها بسبب ارتباك المتورطين فيها، فهي تظهر مؤشرين مهمين، الأول استهتار الحزب بمفهوم الدولة ككل وتجاوزه لكل القوانين والأنظمة وعدم مراعاته لحرية الإعلام التي تتعارض كلياً مع نهجه وممارساته في التعاطي مع كافة شرائح المجتمع، لا سيما وأن محاولة إحراق المحطة المذكورة وما رافقها من انتشار منظم لعناصر تابعة للحزب في العديد من المناطق والنقاط في العاصمة وقطع للطرق والعراضات المسلحة لتهريب وإخفاء المطلوبين في هذه المحاولة، بالتزامن مع انطلاق الخطة الأمنية التي تنفذها الدولة لضبط الوضع الأمني في البلاد لإعطاء إنطباع للبنانيين وللخارج باستتباب الأمن بعد الاهتزازات الأمنية وعمليات قطع الطرق الرئيسة وخصوصاً طريق المطار، تدل على عدم صدقية المواقف والوعود التي يطلقها مسؤولو الحزب بخصوص حرصهم الالتزام بالقوانين وتسهيل مهمات القوى الأمنية والعسكرية للحفاظ على أمن المواطنين في كافة المناطق اللبنانية، وتُشير بوضوح إلى مدى استخفاف الحزب بكل الإجراءات والخطط الأمنية المتخذة، باعتباره كياناً منفصلاً، يتحرك من خلال نظم وترتيبات حزبية خاصة به وخارجة عن سلطة الدولة ومؤسساتها كلياً وعلى حساب القوانين والأنظمة الرسمية المعتمدة حالياً في كل أنحاء البلاد.
أما المؤشر الثاني والذي يساوي في أهميته المؤشر الأوّل، ويدل على أن محاولة إحراق محطة «الجديد» تجسّد بوضوح الاسلوب الترهيبي الذي يمكن أن يتبعه الحزب في الانتقام السياسي أو الإعلامي من «حلفائه» السياسيين أو حتى الوسائل الإعلامية المؤيدة له أو المتضامنة معه، والذين يخرجون عن خطه السياسي أو نهجه المتبع في التعاطي مع سائر القضايا والشؤون المطروحة، أو حتى الذين يجتهدون او يحاولون انتهاج موقف منفصل عنه نوعاً ما أو متقارب مع خصومه السياسيين، كما أصبح معروفاً عنه منذ تأسيس الحزب وطوال السنوات الماضية، وبالتالي فما حصل يمكن أن يشكل نموذجاً ورسالة موجهة، ليس للوسائل الإعلامية «المتمردة» على سياسة وتوجهات الحزب وما يمكن ان تلقاه مستقبلاً، وإنما موجهة أيضاً لكل الحلفاء السياسيين للحزب وكذلك الجهات والاطراف الأخرى او الشخصيات السياسية، التي بدأت عملياً بالتخطيط لبلورة نهج سياسي جديد يتأقلم نوعاً ما مع المتغيرات الاقليمية المتسارعة بفعل الثورة الشعبية السورية العارمة وتأثيراتها المحتملة على الواقع السياسي اللبناني بعدما بدأ تآكل النظام السوري، الحليف العربي الوحيد الداعم للواقع السلطوي الذي يتحكم به «حزب الله» منذ إسقاط حكومة الوحدة الوطنية برئاسة سعد الحريري قبل حوالى العام ونصف تقريباً.
ولا شك ان هذين المؤشرين يعكسان بوضوح ما يمكن ان تشهده الساحة اللبنانية من احداث امنية وترهيبية في المرحلة المقبلة مع تسارع وتيرة التطورات داخل سوريا وقرب حدوث تبدلات اساسية في مكونات الوضع السياسي السوري بالتزامن مع زيادة الاهتمام الاقليمي والدولي بضرورة تحقيق انتقال سريع في السلطة، وما يمكن ان يفرزه هذا الواقع السوري الجديد، أياً كان شكل النظام المرتقب قيامه، على موازين القوى السياسية اللبنانية والواقع السلطوي اللبناني في المرحلة المقبلة.
ولذلك، لا يمكن فصل محاولة احراق محطة «الجديد» بمعزل عن تداعيات المتغيرات المتسارعة في الوضع السوري وتأثيراته على الواقع السياسي والسلطوي في لبنان على حدٍ سواء. بل هناك من يعتبر ان هذه المحاولة الفاشلة قد تكون مقدمة لما يمكن ان يحصل من احداث ومحاولات واعمال ترهيبية محتملة، لمنع بعض القوى والشخصيات السياسية من اعادة التموضع انطلاقاً من المتغيرات السورية المتوقعة، لئلا يتبدل الواقع السياسي اللبناني لغير مصلحة الحزب وتحالفاته الاقليمية مع ايران، في حين يكابر «حزب الله» بكل قوته إزاء ما يحصل، لتمديد الواقع السياسي الانقسامي الحالي الى اطول وقت ممكن، بالرغم من تأثيراته السلبية على مصالح الشعب اللبناني برمته.