تقارب في جنيف لم يلغِ التصلّب الروسي
والخطوة الأولى ترسيخ المرحلة الانتقالية
أتاحت الخلافات الدولية التي أخّرت اجتماع جنيف ساعات التقليل من اوهام الاتفاق الدولي على شيء حاسم وقوي في الشأن السوري الى حد كبير. لكن كثرا يبرزون ايجابيات وان كانت متواضعة. فلم يحصل المبعوث المشترك للامم المتحدة والجامعة العربية كوفي انان على ما يريده من الاجتماع الذي عقدته مجموعة العمل التي تألفت من الدول الخمس الكبرى الى جانب دول اقليمية وجامعة الدول العربية والاتحاد الاوروبي في جنيف يوم السبت الماضي وفق ما تقول مصادر ديبلوماسية غربية. اذ ثمة فارق لا بأس به بين ما حدده في مقال نشره في صحيفة الواشنطن بوست عشية الاجتماع محددا ما يرغب فيه من هذا الاجتماع وما انتهى اليه هذا الاجتماع. فتقول هذه المصادر ان تقاربا حصل بالنسبة الى التوافق على المرحلة الانتقالية وهناك وصف جديد وتفاصيل جديدة في ما يتعلق بالعملية الانتقالية حين تسمح الظروف بذلك، لكن "اعتقد ان انان كان يفكر انه يريد شيئا اكثر". وتعرب هذه المصادر عن اعتقادها ان ما اتفق عليه هو بمثابة اساس يتعين البناء عليه في ما بين الدول الكبرى نفسها وفي علاقة كل دولة بطرف من اطراف الصراع في سوريا بحيث ان المرحلة المقبلة مرتبطة بمدى النفوذ الذي ستمارسه هذه الدول على طرفي السلطة والمعارضة مع الاقرار بان اي تقدم مرتقب لن يحصل في وقت قريب بل هي عملية طويلة المدى ولن يقتصر الموضوع على اجتماع جنيف بل يتعداه الى اجتماعات عدة لاحقة من بينها في الافق المنظور اجتماع المعارضة السورية الذي بدأ في القاهرة امس واجتماع مجموعة اصدقاء سوريا في باريس يوم الجمعة المقبل ثم اجتماع مجلس الامن لاعلان التوافق على نتيجة اجتماع جنيف وتمديد المهلة المعطاة لانان "اذ ان الاهتمام بالموضوع السوري يشغل اهتمام وزراء خارجية الدول الكبرى الذين لا يمكنهم وقف اهتمامهم حين نرى كيف تتدهور الاوضاع على الارض في سوريا ومن الضروري استمرار التواصل والحوار".
وتكشف مصادر على صلة بمن التقوا في جنيف ان تقارباً حصل فعلا من خلال اقرار روسيا ببدء المرحلة الانتقالية في الوقت الذي كانت متحفظة عن ذلك قبل ايام قليلة من الاجتماع . كما تشير الى ان العملية طويلة المدى ربما تعطي مجالا للطرفين لتقويم وضعهما والمفاوضة ولعل المعارضة اكثر استفادة على رغم استمرار عمليات القتل اليومي كون الروح المعنوية للجيش تتراجع وكذلك الوضع الاقتصادي. والانطباع ان ما حصل هو تقارب وليس اكثر من ذلك اذا ما قيس بالربح والخسارة في ما خص الموقف من بقاء الرئيس بشار الاسد او تنحيه وهو امر دقيق بالنسبة الى هذه المصادر ايضا باعتبار ان الانطباع عن استمرار التصلب الروسي لا يزال قائما ومحيرا على رغم تفسيره من البعض انه نوع من التصلب الذي يمهد للتفاوض وكذلك الامرعن غياب الاتفاق على الاشخاص الذين يمكن ان يكونوا من ضمن المرحلة الانتقالية.
والمكسب الاساسي وفق هذه المصادر ان هناك اضافة مهمة ادخلها اجتماع جنيف في قاموس التداول اليومي السياسي حول الوضع السوري وهو الاقرار بمرحلة الانتقالية التي سيشارك فيها الجميع وهي فكرة ستترسخ على انها بداية عملية التغيير بدلا من استمرار الكلام على النظام الذي يقمع او عسكرة الثورة وما الى ذلك. فهناك بداية لكل شيء ولا يمكن الاعلان عن كل شيء دفعة واحدة او من اليوم الاول وكون هناك اقرار بمرحلة انتقالية يعني ضمنا ان ما بناه النظام او حاول بناءه خلال ما سماه عملية اصلاحية لا معنى او لا قيمة له وصولا الى اعلان حكومته الاسبوع الماضي وهناك انتقال من نظام الى آخر بدليل موافقة روسيا على حكومة انتقالية وهناك مراجعة للدستور وضرورة الاعداد لانتخابات حرة وفق ما جاء في البيان النهائي لاجتماع جنيف مما يعني ان كل الخطوات التي حاول الرئيس السوري ان "يشتري نفسه" من خلالها طوال سنة وخمسة اشهر من عمر الازمة السورية قد ذهبت ادراج الرياح وان هناك بداية اخرى مختلفة عما سعى هو الى ارسائه وتدعو اليها روسيا. فضلا عن ان الدول الكبرى فوضت انان من خلال الاتفاق على عنوان المرحلة الانتقالية ان يضع مضمونا لها بحيث يتوقع ان يضع انان مشروعه لدعوة ممثلين عن السلطة واخرين عن المعارضة للتحاور في ايلول المقبل بعدما كان قرر ان يكون هذا الاجتماع في حزيران الماضي لولا ان خطته بالنقاط الست قد فشلت ولم تنفذ.