#adsense

لا بدّ أنّ إلهة الحب الحقيقية تبكي دماً

حجم الخط

 يستخدم الناس أسماء الآلهة القديمة عشوائياً لتزيين المباني أو إضافة تأثير دراماتيكي الى موقع سياحي. والبعض يستعملها كي يوحي بأنه مثقّف ومطّلع على الأساطير الرومانية أو اليونانية القديمة أو ما شابهها.

لقد ارتُكِبَت جريمة في بيروت قبل فترة قصيرة، وهي ليست الأولى ولن تكون الأخيرة، عندما دمّرت الجرّافات أحد أقدم الموانئ في البلاد من اجل بناء مجمّع يحمل اسم إلهة الحب الرومانية ويكلّف ملايين الدولارات. فبين الجشع والجهل والسياسة، كل شيء ممكن بما في ذلك هدم آثار قديمة لبناء برج تجاري. أسوأ من عملية الجرف هو إصدار الأمر بالهدم، والأسوأ على الإطلاق هو الاعتقاد أنه لا وجود للآثار، في حين أكّد الخبراء أن هناك موقعاً أثرياً مثيراً للاهتمام جديراً بالمحافظة عليه ودراسته أكثر.

كان يمكن تشييد المجمّع بحسب الخطة المقرّرة، مع إبقاء الموقع الأثري الصغير. وفي هذه الحال، كانت أبراج فينوس لتصير أكثر جاذبية وأغلى ثمناً بالتأكيد لأنها تضم عند قاعدتها آثاراً حقيقية قد تعود إلى القرن الثالث قبل الميلاد.

في لبنان حيث لا يجري اختيار الوزراء دوماً استناداً إلى مؤهّلاتهم بل الى التوزيع الطائفي والانتماءات السياسية، يمكن أن يكون وزير الثقافة متعهّداً أو مقاولاً، كما أن وزير الصحة قد لا تكون له أي علاقة بالصحة. مع مرور الوقت، باتت الحقائب الوزارية في لبنان بمثابة مكافآت أو أوسمة. وبات الوزراء (ومعظمهم من الرجال) يرون في الحقائب الوزارية وسام هيبة أو شرف. نادراً ما يحقّق الوزير إنجازاً مهماً، وقد شلّت الخلافات السياسية الحكومات المتعاقبة إلى درجة أن المعيار بات في عدم إنجاز شيء على الإطلاق. ليس مفاجئاً أن يتشاحن رجال راشدون مثل الأولاد الصغار للفوز بالوزارات المهمة مثل وزارتَي الدفاع والداخلية. والسبب عادةً هو أن المجموعة المسيطرة توزّع المناصب على أزلامها، ولا تبحث بالضرورة عن الرجل المناسب أو المرأة المناسبة للقيام بالمهمة.

لنعد إلى بيروت وإلهة الحب التي ستقف قريباً فوق آثار قديمة كان ينبغي المحافظة عليها وتثمينها، بدل تدميرها تماماً. لقد أصبح الموقع الأثري موضوع سجال، مثل كل شيء في بلدٍ يستشري فيه الفساد. هل هو فينيقي أم لا؟ هل يعود إلى القرن الثالث قبل الميلاد أم لا؟ هل يجب دعم قرار المحكمة بوقف تدمير الآثار؟ هل يجب أن تكون كلمة وزير الثقافة الحالي فوق قرار المحكمة، وأن يتصرّف وكأنه لا مشكلة أبداً في رفع مبنى عصري يحمل اسم إلهة الحب فوق موقع أثري لا يُقدَّر بثمن؟

لا يهم، إذا كانت هذه الآثار فينيقية أم لا، لمن يهتمّون فعلاً بالحفاظ على الإرث الثقافي، ويحترمون تاريخنا وتراثنا كشعب، والأصول التي ننتمي إليها من أجل التخطيط لمستقبلنا ورسم معالمه.
بعض الدول ليس له تاريخ يتباهى به، ومع ذلك يبني نصباً وينشئ تراثاً له ولو كان عصرياً. تشعر الأوطان بالحاجة إلى الانتماء إلى أصول ما، وإلى أن يكون لها أثر في التاريخ.
كل من يقدّر التراث ويدرك، ولو قليلاً، أهمّية المواقع الأثرية، يحزن لرؤية الآخرين يتصرّفون وكأنه لم تعد ثمة مقدّسات.

لقد دمّرت الكوارث الطبيعية بيروت مرات عدّة، وأعيد بناؤها. فالرسالة التي توجّهها أمنا الطبيعة إلى سكّان هذه الأرض هي احترام ما يملكونه وتقديره. لكن عدداً كبيراً من اللبنانيين لا يأبهون لتلك الرسالة، ويتجاهلون أيضاً التاريخ والتراث وكل الأشخاص الذين يكترثون فعلاً بالحفاظ على إرث بلادهم.

إذا لم تُعالَج هذه القضية كما ينبغي، ولم يُعتبَر تدمير آثار لا تُعوَّض جريمة ويمثل كل المتورّطين فيها أمام العدالة بطريقة أو بأخرى، فلن تكون الآثار الأخرى بمأمن من جرائم مماثلة في المستقبل. وإذا كانت هذه هي الطريقة التي سيتعامل بها وزراء الثقافة من الآن فصاعداً مع المسائل المتعلّقة بالمواقع الأثرية، فربما حان الوقت كي لا تعود آثار لبنان في عهدة الحكومة. فهي تستحق بالتأكيد معاملة أفضل.

المصدر:
النهار

خبر عاجل