انتهى مؤتمر جنيف حول الازمة السورية بمفارقة فاجعة لأنها تعطي فرصة طويلة لاستمرار القتل، لكنها على ما يبدو فرصة تم التفاهم عليها بين الاميركيين والروس في لقاء باراك أوباما وفلاديمير بوتين في المكسيك ثم في محادثات هيلاري كلينتون وسيرغي لافروف في سان بطرسبرج.
ما حصل في جنيف هو الاتفاق على "الانتقال السياسي" الذي تقول كلينتون انه يمهد الطريق لما بعد الاسد، بينما يرى لافروف انه يجب ان يأتي على يد الشعب السوري. لكن عندما يتحدث كوفي أنان عن الحاجة الى سنة لتنفيذ هذا الانتقال، فذلك يعني "وصفة متوحشة"، فاذا كان معدل عدد القتلى قد وصل الى مئة في اليوم الواحد فقد يسقط أربعون ألفاً في تلك السنة الكارثية!
بعدما قرأ أنان نص البيان الذي يدعو الى "وجوب تشكيل حكومة انتقالية تملك كل الصلاحيات التنفيذية للعمل على تطبيق النقاط الست والتي يمكن ان تضم أعضاء في الحكومة الحالية والمعارضة على قاعدة التفاهم المتبادل بين الاطراف"، لاحظنا ان السيدة كلينتون صفّقت في حماسة لافتة بينما انطلقت أسئلة مؤلمة:
مَنْ سيتفاهم مع مَنْ لتشكيل هذه الحكومة بعد سقوط ما يقرب من 19 ألف قتيل وعشرات آلاف الجرحى وتدمير المدن على رؤوس أهلها؟ بشار الأسد الذي أعلن انه يخوض حرباً ضد "الارهابيين" وسينتصر فيها أم المعارضة التي تكرر منذ شهور أنها لن تفاوض إلا على رحيل نظام القتل؟
هذا السؤال وغيره كان محور نقاش طويل وحاد بين رئيس وزراء قطر الشيخ حمد بن جاسم ووزير خارجية تركيا أحمد داود أوغلو من جهة ولافروف من جهة اخرى، على خلفية انه من غير المعقول إعطاء سنة لحل غير قابل للتنفيذ ستتحول فرصة للقتل وحمامات الدم!
كثيرون ومنهم وزير خارجية العراق هوشيار زيباري اشتمّوا رائحة تفاهم ضمني بين الروس والاميركيين سبق لقاء جنيف، فحواه ان الطرفين متفقان على حتمية التغيير بما يعني ان موسكو تخلت أخيراً عن الأسد شرط ان يتم بطريقة مدروسة.
واضح ان في خلفيات الموقف الغربي رغبة آنية في عدم التدخل لوقف المذابح، وخصوصاً في ظل الموقف الروسي الذي يوفّر ذريعة لأميركا والدول الأوروبية لعدم التدخل بانحيازه الغبي الى جانب النظام، فأميركا الغارقة الآن في السبات الانتخابي تحتاج الى سنة تقريباً لتعيد تحريك ماكينتها الخارجية، والدول الأوروبية غارقة في أزمة اقتصادية ثقيلة.حكومة انتقالية تملك كل الصلاحيات [بما فيها صلاحيات الأسد المطلقة؟] تشكل بالتفاهم بين النظام والمعارضة؟ لكن لو كان من الممكن حصول هذا التفاهم هل كان السوريون في حاجة الى خطة أنان وقد باتت مجرد جثة لكنها توفر تغطية ديبلوماسية لمسلسل المذابح المتنقلة في سوريا؟