يكشف اعتصام الشيخ أحمد الأسير في مدينة صيدا جانباً من المدى الذي بلغه الاستقواء على الدولة في لبنان وعلى مصالح المواطنين، لسبب أحياناً وفي معظم الأحيان من دون سبب، حتى صار قطع الطرقات باحراق الدواليب نكتة يتندر بها اللبنانيون، بحيث يمكن أن تؤدي «خناقة» رجل مع زوجته مثلاً إلى قطع طريق المطار وعزل البلد بكامله عن العالم الخارجي.
غير أن اعتصام الشيخ الأسير لا يدخل طبعاً ضمن هذا التبسيط الترفيهي. فقد أطلق على تحركه شعار «انتفاضة الكرامة» للتعبير، ولو بطريقة فظّة وغير مستحبة، عن امتعاض عميق باتت الطائفة السنّية بشكل خاص تعاني منه، ويتمثل في الشكوى من قدرة طائفة أخرى في البلد، كبيرة ومعتبرة، على أن تفرض نفوذها ورأيها، وأن تقرر ما هو حق وما هو باطل، ومن هو وطني ومن هو خائن، ولا قوة في يديها لفرض ذلك سوى قوة السلاح، الذي فرضته شعاراً ثالثاً في مثلث مصطنع يضم «الجيش والشعب والمقاومة». وكل ذلك بهدف تبرير الحاجة الدائمة لوجود هذا السلاح ولهيمنة القوة الحزبية التي تغطيه، والتي فقدت وظيفتها الدفاعية الخارجية في ظل المتغيرات المعروفة على حدود لبنان الجنوبية وفي المنطقة بشكل عام.
وبقدر ما يمثل اعتصام الأسير تحدياً للدولة فانه يمثل في الوقت ذاته تحدياً للفعاليات السياسية في عاصمة الجنوب اللبناني ولحرص هذه الفعاليات على حل الأزمات السياسية التي يواجهها البلد والجدل الدائر حول القضايا الصعبة، عن طريق الحوار والاعتماد على هيبة الدولة باعتبارها صاحبة الحق والمصلحة في فرض سلطتها على مختلف أراضيها. ومن هنا كان تنادي أبناء صيدا ومعهم وجهاء دينيون وسياسيون في الطائفة السنّية إلى دعوة الشيخ الأسير إلى إنهاء اعتصامه، لأنه أولاً لا يستطيع بهذه الطريقة أن يحقق الهدف الذي يريده، وثانياً لأن اعتصامه يضر بمصالح قطاع واسع من أبناء المدينة قبل أن يلحق الضرر بسواهم.
وإذا كان يسجل لأبناء صيدا استنكارهم الظاهرة التي شهدتها مدينتهم في الآونة الأخيرة، وخصوصاً لجهة تهديدها السلم الداخلي وحرية حركة المواطنين، ورفضهم الهوية «السلفية» التي يراد إعطاؤها للمدينة، المعروفة تقليدياً بانفتاحها على جوارها المعروف بتعدده الطائفي، فان هذا لا يعفي الطوائف الأخرى من رفع صوتها استنكاراً للهيمنة المفروضة عليها من قبل زعاماتها ودفاعاً عن مشروع الدولة الواحدة والتي يفترض أن تكون وحدها حامية للجميع.
كذلك لا يعفي استنكار أبناء صيدا لما يجري في مدينتهم الدولة من مسؤولياتها، وهي التي تزعم يومياً أن الحوار الذي يرعاه رئيس الجمهورية والذي مضت سنوات على تدشينه هو الكفيل بإيجاد حل للخلاف الدائر في البلد حول مصير السلاح الموجود خارج يد الدولة والجيش.
لقد كان تلكؤ هذه الدولة حيال مواجهة مسألة السلاح غير الشرعي وخجلها في تسمية الأشياء بأسمائها هو الدافع إلى استقواء آخرين عليها وبالتالي على مصالح المواطنين. ولا حل لذلك سوى بخروج البلد من هذا الأسر المصطنع المفروض عليه… وإلا سينبت في كل مدينة في لبنان «أسير» يفرض سلطته على الناس، مبرراً ذلك بالفلتان السائد في المدينة أو في الحي المجاور.