عكست الجلسة التشريعية لمجلس النواب جانباً ايجابياً على المستوى العام وآخر سلبياً على مستوى إبراز اصطفاف مسيحي – اسلامي على خلفية احد بنود جدول الاعمال كما على مستوى العلاقة بين مكونات الحكومة.
وأبرزت اوساط نيابية في فريقيْ الاكثرية والمعارضة لـ"الراي" الكويتية، توافقا مبدئياً بشأن هذه الحصيلة للجلسة التشريعية ولو من زوايا مختلفة لدى الفريقين في ضوء المعطيات والوقائع الاتية:
اولاً: افضت الجلسة في يومها الاول الى تسوية ربما يصح وصفها بانها نادرة بين الاكثرية والمعارضة حول مشروع الانفاق الحكومي حتى مطلع الخريف المقبل. وهذه التسوية حتى لو وجهت اليها انتقادات مالية وقانونية محتملة، بدت في بُعدها السياسي اهم من الطابع التقني اذ كشفت للمرة الاولى وجود إرادات سياسية لتحييد الملف المالي الضاغط عن الصراع السياسي، ولو ان لكل فريق حساباته الانية او البعيدة المدى في هذا التحييد.
ثانياً: عكست المداخلات السياسية للنواب في الجلسة مناخاً يختلف عن الاحتدامات الحارة خارج المجلس او في الشارع. ومن ابرز النماذج العملية على ذلك ان التوافق على ملف الانفاق الحكومي العائد لسنة 2012 جاء بدفع من كلام ايجابي لنواب في "حزب الله" لاقاه الرئيس فؤاد السنيورة وكتلة "المستقبل" في منتصف الطريق ما فتح الطريق الى الاتفاق على ملف الانفاق.
وتعطي الاوساط النيابية في الفريقين هذا البعد اهمية لجهة الرغبة في تنفيس الاحتقانات مثلما ظهر الامر حيال ملفات وتطورات امنية في الاسبوعين الاخيرين.
ثالثاً: اذا كان من مفاجأة حقيقية في هذه الجلسة، فهي لا تتصل بالتسوية المالية كما اشيع مقدار ما تتصل بمقاطعة الكتل المسيحية النيابية الكبيرة للجلسة في يومها الثاني. ذلك ان كتل العماد ميشال عون و"القوات اللبنانية" والكتائب ونواب الاشرفية وزحلة وتيار "المردة"، قاموا لمرة نادرة بعرض قوي مسيحي في توافقهم على مقاطعة اليوم الثاني للجلسة احتجاجاً على تمرير مشروع تثبيت العمال المياومين في مؤسسة كهرباء لبنان في الجلسة المسائية التي عقدت في اليوم الاول، على نحو اعتبرته هذه الكتل تمريراً ملتبساً اعتمده رئيس المجلس نبيه بري في تصويت غير دقيق لم يأخذ في الاعتبار رفض هذه الكتل للمشروع.
وأهمية وقفة الكتل المسيحية اكتسبت دلالة بارزة لجهة ثلاثة ابعاد على الاقل: البُعد الاول يتمثل في توافق الاضداد المسيحيين الكبار للمرة الاولى ولو حول ملف لا يعتبر جوهرياً، مثل قانون الانتخاب الذي لا تزال هذه القوى مختلفة حوله. والبُعد الثاني يتمثل في اجماع هذه الكتل على الاعتراض على اسلوب ادارة الرئيس بري لجلسة مجلس النواب، وطريقة التصويت "اليدوي" التي تتيح تمريرات غير نظامية. والبُعد الثالث يتمثل في تكرار سابقة التسبب برفع جلسة لمجلس النواب وتأجيلها على اساس فقدان الطابع الميثاقي فيها لا النصاب القانوني.
ورغم الطابع السلبي لهذا التطور في خلفيته الطائفية، تقول الاوساط النيابية ان قرار رفع الجلسة الذي اتخذه بري من شأنه ان يعيد الاعتبار الى المساومات السياسية حول الملف المختلف عليه، وهو امر سيؤدي في النهاية الى تسوية ما من شأنها ان تبقي الخلافات في اطار الضوابط السياسية ولو مشدودة الى حسابات طائفية ومذهبية. ذلك ان عنوان ما حصل في اليومين البرلمانيين يصح ان يدرج في حصيلته العامة في اطار الاحتواء السياسي الذي يشهد سباقاً مستمراً وشاقاً بين الاطر المؤسساتية ولو ضعيفة وانفعالات الشارع ومفاجآته.